منتدى شباب العرب
مرحبا بك في منتدى شباب العرب
لتتمكن من
الإستمتاع بكافة ما يوفره لك هذا المنتدى من خصائص, يجب عليك أن تسجل
الدخول الى حسابك في المنتدى. إن لم يكن لديك حساب بعد, نتشرف بدعوتك
لإنشائه في بضع توني





منتدى شباب العرب

| الوظائف | التعارف | دردشة | الدين | التغذية | الصحة| صور| الرياضة | الطرائف | النكت | ألعاب | الإنترنت |قضايا أدم وحواء | الروايات | القصص | الأنمي |أناشيد الاسلامية |
 
الرئيسيةخدماتس .و .جالتسجيلدخول
إعلانات

شاطر | 
 

 قصص رسول الله (ص) وارث علم التأويل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير
الادارة
الادارة


عدد الرسائل : 1273
نقاط التميز : 2147483647
ذكر
البلد : مغربي

مُساهمةموضوع: قصص رسول الله (ص) وارث علم التأويل   الأحد 30 مارس - 4:53:34



في إطار معرفتنا ان محمد لم يكن إلا الحلقة الخاتمة لسلسلة ذرية الأنبياء الممتدة عبر التاريخ، كان التأويل هو المنهج المعرفي الذي ورثه محمد عن آبائه، كما ورثه يوسف عن أولئك الآباء: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم)6/12، فورث يوسف علم التأويل عن آبائه المتنبئين كإبراهيم وإسحاق (:عمه) اللذين يذكران كنموذجين ومثالين يشكلان الحلقتين الأقرب من آباء يوسف المصطفين، وهي السلسلة التي يتوارث فيها المتأخر علم وهدى المتقدم من آدم إلى محمد وآل محمد، كما تشير إلى ذلك القراءة القرآنية المروية عن صدر الإسلام: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران وآل محمد على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)33-34/3. وقد خاطب الله محمد(ص) في سياق هذا التوارث للهدى بالقول في عبارة صريحة: (أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة (...) أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين)90/6، وقد عدد القرآن قبل هذا المقطع آباء محمد من الرسل، وهذا هو النص الكامل، الذي يرد فيه المقطع السابق: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ...، ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين، وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين، ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون، أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين، أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين)83-90/6.

فالرسول محمد(ص) هو ظاهرة، ولنقل، آية تندرج في إطار سنة الله في الرسل، التي خضعت لها آية يوسف(ع)، وهو ما من شأنه أن يفيد أن محمد (ص) كآخر حلقات سلسلة أولئك الرجال، الذين اجتبوا لشغل مقام النبوة، قد تعهد الله بإتمام النعمة عليه: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)3/5، فكان لابد أن يرافق اصطفائه بتعليمه التأويل، يقرر ذلك النظير المكمل: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم)6/12، حيث يمكن القراءة بالنسخ إكمالا، في خطاب موجه للرسول الخاتم محمد :

"اليوم يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويكمل لك دينك ويتم نعمته عليك وعلى آل محمد كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم، إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران وآل محمد على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم".



في إطار معرفتنا ان محمد لم يكن إلا الحلقة الخاتمة لسلسلة ذرية الأنبياء الممتدة عبر التاريخ، كان التأويل هو المنهج المعرفي الذي ورثه محمد عن آبائه، كما ورثه يوسف عن أولئك الآباء: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم)6/12، فورث يوسف علم التأويل عن آبائه المتنبئين كإبراهيم وإسحاق (:عمه) اللذين يذكران كنموذجين ومثالين يشكلان الحلقتين الأقرب من آباء يوسف المصطفين، وهي السلسلة التي يتوارث فيها المتأخر علم وهدى المتقدم من آدم إلى محمد وآل محمد، كما تشير إلى ذلك القراءة القرآنية المروية عن صدر الإسلام: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران وآل محمد على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)33-34/3. وقد خاطب الله محمد(ص) في سياق هذا التوارث للهدى بالقول في عبارة صريحة: (أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة (...) أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين)90/6، وقد عدد القرآن قبل هذا المقطع آباء محمد من الرسل، وهذا هو النص الكامل، الذي يرد فيه المقطع السابق: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ...، ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين، وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين، ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون، أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين، أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين)83-90/6.

فالرسول محمد(ص) هو ظاهرة، ولنقل، آية تندرج في إطار سنة الله في الرسل، التي خضعت لها آية يوسف(ع)، وهو ما من شأنه أن يفيد أن محمد (ص) كآخر حلقات سلسلة أولئك الرجال، الذين اجتبوا لشغل مقام النبوة، قد تعهد الله بإتمام النعمة عليه: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)3/5، فكان لابد أن يرافق اصطفائه بتعليمه التأويل، يقرر ذلك النظير المكمل: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم)6/12، حيث يمكن القراءة بالنسخ إكمالا، في خطاب موجه للرسول الخاتم محمد :

"اليوم يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويكمل لك دينك ويتم نعمته عليك وعلى آل محمد كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم، إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران وآل محمد على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المدير
الادارة
الادارة


عدد الرسائل : 1273
نقاط التميز : 2147483647
ذكر
البلد : مغربي

مُساهمةموضوع: التأويل علم الكتاب التأويل علم الكتاب   الأحد 30 مارس - 4:55:58

لقد انزل الله الأمر بتعليم القرآن في المرحلة المدنية، فكل الآيات التي تعلقت بالتعليم نزلت في المدينة، باعتبار أن القرآن في الفترة المكية كان في بداية نزوله، بالإضافة إلى قلق تلك المرحلة، التي توجَّهت فيها الجهود لتثبت فكرة التوحيد في قبال فكرة الشرك، وما ترتب على ذلك من مواجهات وجدل وعنف تطور إلى مستوى قاد إلى الهجرة والتهجير والفرار، جعلت الإسلام مضطهدا لا يجد له في مكة مأوى ومستقرا، وهو ما منع أن يقوم في مكة مجالا تعليميا، يستوعب ثقل علم التأويل، الذي سيخض بثقله الأوضاع في الدولة الناشئة، كما سنرى، وقد نزل الأمر بالتعليم بعد الهجرة، وبعد الاستقرار في دولة المدينة، وورد الأمر في صيغة وصفية، تصف الرسول بالمعلم، وذلك في قوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)2/62، ولكن السؤال الأهم، ما طبيعة علم الكتاب الذي تشير إليه الآية؟

ذلك ما يمكن استكشافه قرآنيا قبل تحريه وتعقبه تاريخيا، فالقرآن يذكر ان بعثة محمد(ص) بالنبوة وتعليم الكتاب وتزكية النفوس، كل ذلك، هو استجابة لدعوة إبراهيم، ففي النظير قال تعالى: (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم)128-129/2، مما يعني أن ما سيقوم به محمد، هو ذات الدور الذي قام به إبراهيم، وقد عرفنا من خلال قصة يوسف أن إبراهيم أتم الله عليه النعمة بالاجتباء للنبوة وبتعليم علم التأويل، قبل ان تتم على يوسف النعمة ذاتها: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم)6/12. وهكذا نكتشف ان إبراهيم دعا لبعث الواقع النبوي المطبع بعلم التأويل في الزمن المقبل، على يد رجل من ذريته، فاستجاب الله دعوته فبعث محمدا وأنزل عليه الكتاب، فكان التأويل هو عنوان علم الكتاب وعلم تزكية النفوس ...

لقد انزل الله الأمر بتعليم القرآن في المرحلة المدنية، فكل الآيات التي تعلقت بالتعليم نزلت في المدينة، باعتبار أن القرآن في الفترة المكية كان في بداية نزوله، بالإضافة إلى قلق تلك المرحلة، التي توجَّهت فيها الجهود لتثبت فكرة التوحيد في قبال فكرة الشرك، وما ترتب على ذلك من مواجهات وجدل وعنف تطور إلى مستوى قاد إلى الهجرة والتهجير والفرار، جعلت الإسلام مضطهدا لا يجد له في مكة مأوى ومستقرا، وهو ما منع أن يقوم في مكة مجالا تعليميا، يستوعب ثقل علم التأويل، الذي سيخض بثقله الأوضاع في الدولة الناشئة، كما سنرى، وقد نزل الأمر بالتعليم بعد الهجرة، وبعد الاستقرار في دولة المدينة، وورد الأمر في صيغة وصفية، تصف الرسول بالمعلم، وذلك في قوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)2/62، ولكن السؤال الأهم، ما طبيعة علم الكتاب الذي تشير إليه الآية؟

ذلك ما يمكن استكشافه قرآنيا قبل تحريه وتعقبه تاريخيا، فالقرآن يذكر ان بعثة محمد(ص) بالنبوة وتعليم الكتاب وتزكية النفوس، كل ذلك، هو استجابة لدعوة إبراهيم، ففي النظير قال تعالى: (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم)128-129/2، مما يعني أن ما سيقوم به محمد، هو ذات الدور الذي قام به إبراهيم، وقد عرفنا من خلال قصة يوسف أن إبراهيم أتم الله عليه النعمة بالاجتباء للنبوة وبتعليم علم التأويل، قبل ان تتم على يوسف النعمة ذاتها: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم)6/12. وهكذا نكتشف ان إبراهيم دعا لبعث الواقع النبوي المطبع بعلم التأويل في الزمن المقبل، على يد رجل من ذريته، فاستجاب الله دعوته فبعث محمدا وأنزل عليه الكتاب، فكان التأويل هو عنوان علم الكتاب وعلم تزكية النفوس ...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المدير
الادارة
الادارة


عدد الرسائل : 1273
نقاط التميز : 2147483647
ذكر
البلد : مغربي

مُساهمةموضوع: رسول الله (ص) يعلم الأمة التأويل   الأحد 30 مارس - 4:58:25

ولكن السؤال: ماذا يعني أن يعلم الرسول(ص) الأمة الكتاب والحكمة في قوله تعالى: (ويعلمهم الكتاب والحكمة)129/2 ؟

قد يكون الجواب ينتجه الوجه الذي فيه يقف الرسول(ص) في الملأ العام ليعظ الأمة بموعظة استوحاها عن طريق استنطاق الكتاب: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون)44/16، ولكن الجواب الأهم من ذلك، هو الذي ينتجه الوجه الذي فيه يجلس الرسول مجلس الدرس، الذي يعلم فيه المسلمين كيف يؤولون الكتاب، وكيف يتفكرون، ويمنحهم المنهج العبوري المعبر عنه بـ (الحكمة)، والذي دعا الله اليه عندما قال: (فاعتبروا يا أولي الأبصار)2/59، فالتفكير العبوري يعني وضع الشيء في مواضعه، وتقديره بقدره، دون ان يكون في ذلك بخس او طغيان، فوضع الرسول عند تقديره الآيات بعضها ببعض في مواضعها، وانزلها في منازلها العادلة، التي يمليها الاستنطاق القرآني، واستنبط الفتاوى من بطون آياته، وكذلك فعل المسلمون، عندما وظّفوا قواعد علم التأويل، في أنزال الآيات بعضها من بعض وفق ما يهدي إليه الاستنطاق القرآني، فقول الرسول(ص): «إني أخوف ما أخاف عليكم رجل يتأول القرآن على غير تأويله [يضعه على غير مواضعه]». مضمون قوله هذا، أن ثمة من يتأول القرآن ليضعه في مواضعه. أي أن هناك الراسخ الذي يضع الآيات في مواضعها، والآخر المحرف التي يضعها في غير مواضعها جهلا أو كفرا، وهو ما يرتكبه المنافقون عمدا، وهو ما اصطلح عليه بتحريف الرأي أو القياس أو قياس الرأي أو ضرب القرآن بعضه ببعض: «من فسر القرآن برأيه فقد كفر»، «من ضرب بعض القرآن في بعض فقد كفر» ...

هذا الوجه المنهجي، في فهم قوله: (ويعلمهم الكتاب والحكمة)128-129/2، هو الأهم، باعتبار ان منهجة عملية التفكير، وتصويب المنطق هو الذي عليه المعول في انجاح مواجهة الأمة لاستحداثات الزمان، ومجاراتها لتطورات الحياة. كما ان بهذا المنهج يمنح الخطاب القرآني القابلية على التحول الى بيان علمي شامل، قادر على تلبية متطلبات الحياة: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)89/16. كما يعول على التأويل في منح الأمة، المعيارية الحاسمة الباتة في الاختلافات والتغلب على النزاعات حتى لا تتطور إلى المستوى الذي يفرق وحدة الصف، ويذهب بمشروع الأمة الواحدة، وفي ذلك يقول تعالى: (وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)213/2، ولن يكون الحكم في الاختلافات والنزاعات ممكنا إلا باعتماد التأويل منهجا، كما في قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى [كتاب]الله و[سنة] الرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا)59/4. فالرد يستند إلى التأويل منهجا ...

لقد نزل القرآن على الرسول(ص)، ونزلت تلك الآيات القرآنية التي تشرع التأويل منهجا، لتصريف آياته على وجوه، وتثوير بطون الخطاب بتقليب الباطن إلى ظاهر، وطمس الظاهر في الباطن، ليوضع الخطاب موضع الأرض الزراعية وليكون التأويل هو أداة الحرث، والراسخ في علم التاويل هو الحارث. وليكون الرسول هو أول الراسخين في العلم، وافضلهم والمرجع العام لهم وللأمة كافة، باعتباره هو الذي علّم الأمة المسلمة المتبعة له حرث القرآن، ليقف على رأس قاعدة من الحارثين القرآنيين: «أَلَا إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِي حَرْثِهِ، وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ، غَيْرَ [الذي] حَرَثَةِ الْقُرْآنِ فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ وَاسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ وَاسْتَغْشُوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ»(مستدرك ‏الوسائل:3 / 239).

أقرأ الرسول(ص) المسلمين القرآن على قراءات، وانزله على حروف، وصرفه على وجوه، فكانت طبيعة عملية الإقراء تلك انها تقوم على تقسيم الدارسين إلى مجموعات او فئات، لكل مجموعة او فئة وقتها. ففي الوقت الذي تضرب احداها طلبا للرزق، تقعد الأخرى للدرس، وفي الوقت الذي تفرغ المتكسبة من كسبها فتقعد لدرسها، ترحل الأخرى لطلب رزقها وشأنها. وقد تسير مجموعة ثالثة في بعوث الجهاد، وأينما وُجد الرسول، في هذه المجموعة او تلك الفئة، عقد مجلسا للدرس، واستثمر الوقت، وكل ذلك يقرره قوله تعالى: (فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله)20/73.

    <LI dir=rtl>

    الفئة التي تقرأ ما تيسر من القرآن: (فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم) اي علما.
    <LI dir=rtl>

    الفئة التي تضرب في الأرض ابتغاء فضل الله: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله) .


  1. الفئة التي تقاتل في سبيل الله: (وآخرون يقاتلون في سبيل الله) .


فإذا كان الرسول مع الخارجين في بعوث الجهاد، فان المسلمين يتحلقون حوله ليسمعوا منه درسا في التأويل، أو دروسا تطبيقية تتمثل في بحوث استنبطت تأويلا، كما تشير أخبار التاريخ، وإذا كان مع القاعدين، اقرأهم ما تيسر من القرآن، وصرف الخطاب إلى وجوه وحروف وقراءات، وإذا كان مع الضاربين في الأرض، اغتنم ما يتاح من فرصة ليعلمهم. فكانت حركة الرسول في الأمة حركة بلاغ مفتوح، يعتمد فيه كل الأساليب المتاحة، القول والموقف والسلوك، مستثمرا كل فرصة متاحة، وكل مناسبة تفسح المجال لكلمة علم واعية وهادية.

فكان بالامكان في ظل تكوّن الدراسة، من حلقات ومجموعات متفاوتة الوقت، ان تسمع المجموعة حول الرسول ما لم تسمعه المجموعة الساعية للجهاد، أو الأخرى الضاربة في الأرض ابتغاء الرزق. فلقد اغتنم الرسول هذا الوضع، وطرح فكرة التأويل - في أول عهدها- في صيغة تطبيقات لم يمهد لشرح نظريتها، عندما أقرأ كل مجموعة سورة واحدة على قراءة غير التي أقرها للمجموعات الأخرى: (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل)89/17، (وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون)27/46، ولم يكتشف الدارسون التغاير إلا عندما رجع بعضهم إلى بعض، أي عندما أم بعضهم بعضا في الصلاة أو رتل بعضهم القرآن على مسامع الآخرين، عندها دب فيهم الشجار، باكتشافهم تفاوت الحروف التي يقرؤون بها السورة القرآنية الواحدة، فتخاصموا وتكاذبوا وترافعوا إلى الرسول، يدل على وقوع هذا التفصيل من الحدث التاريخي، قوله تعالى: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا)54/18، فقاعدة الترتيب، في علم التأويل، التي تجعل الجدل يعقب التصريف يكشف أن حدث تصريف القرآن تأويلا أعقبه وقوع جدل كثير، وهو ما يتطابق مع الجم الغفير من الأخبار التي رويت عن تاريخ صدر الإسلام تدل على هذه الحقيقة...

لقد قدّم الرسول(ص) علم التأويل، من خلال طرح التطبيقات قبل النظرية، والإعلان عن الممارسة قبل التعليم لقواعدها وإجراءاتها، فأوجد حاجة ماسة في نفوس الدّارسين لفهم خلفية التطبيقات القرآنية الملقاة إليهم، والمقدمة في صورة قراءات قرآنية متفاوتة ومتغايرة، رغم عدم تغاير الخطاب القرآني المتعلقة به تلك القراءات، وهو ما آثار الجدل العاصف، المعبرعن حيرة العقول الشديدة. كما ترتب عليه التكاذب والتشاجر والتخاصم، بالصورة التي روتها أخبار التاريخ.

لقد كان الهدف من هذا الإجراء في التعليم، الذي يقدم التطبيق على النظرية، أن يُرسِّخ الرسول تجربة التأويل في الفكر والنفوس، عن طريق جعلها بمثابة تلغيم فكري، هز انفجاره وجدان وفكر الأمة بعنف، فتواترت روايات نزول القرآن على سبعة أحرف، بحيث كل الجهود التي تعاقبت فحاولت نقض هذا الواقع في تصريف الخطاب على وجوه وحروف، لم تستطع أن تلغي من ذاكرة الأمة وقوع التجربة الأولى بهذه الكيفية، والتي نرى حضور هذا الواقع الدال على تغاير قراءات الكتاب من خلال تعدد الروايات التي تسرد وقائع ذلك الحدث في أكثر من مصدر، وفي أكثر من كتاب، وفي أكثر من حقل معرفي، فذكرت تلك التجربة التعليمية المثيرة كتب التاريخ، والحديث، والكلام، والأصول، والفقه، وهذه بعض الأخبار الدالة على ذلك الواقع: ...

    <LI dir=rtl>

    عن عمر بن الخطاب، قال: «سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة الرسول، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأها على حروف كثيرة، لم يقرأنيها رسول الله، فكدت أساوره في الصلاة. فصبرت حتى سلم، فلما سلّم لببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأها؟ قال: أقرأنيها رسول الله (ص)! فقلت: كذبت والله! إن رسول الله لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرأها! فانطلقت به أقوده إلى رسول الله (ص)! فقلت: يا رسول الله! إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرأنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان! قال: فقال رسول الله: أرسله يا عمر! اقرأ يا هشام! فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأها! فقال رسول الله (ص): «هكذا أنزلت!»، ثم قال رسول الله (ص): اقرأ يا عمر! فقرأت القراءة التي أقرأني رسول الله (ص)، فقال رسول الله (ص): «هكذا أنزلت!»، ثم قال رسول الله (ص): «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منها»[27] .
    <LI dir=rtl>

    روي عن ابن مسعود قوله: ((سمعت رجلا قرأ آية وسمعت النبي (ص) يقرأ خلافها، فجئت به إلى النبي (ص) فأخبرته، فعرفت في وجهه الكراهية، وقال: كلاكما محسن، لا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا))[30]
    <LI dir=rtl>

    وعن أبو جهم: «إن رجلين اختلفا في آية من القرآن فقال: هذا تلقيتها من رسول (ص) وقال الآخر تلقيته من رسول الله (ص) فسألا النبي (ص)، فقال: القرآن يقرأ على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن فإن المراء فيـه كفر»[31] .


  • وعن سليمان بن صرد عن أبي: «رحت إلى المسجد فسمعت رجلا يقرأ، فقلت: من أقرأك؟ فقال: رسول الله (ص) فانطلقت به إلى رسول الله (ص)، فقلت: استقرئ هذا، فقرأ. فقال: أحسنت! قال: فقلت: انك أقرأتني كذا وكذا، فقال: وأنت قد أحسنت! قال: فقلت: قد أحسنت قد أحسنت!! ثم قال: فضرب بيده على صدري! ثم قال: اللهم اذهب عن أبي الشك! قال: ففضت عرقا وامتلأ جوفي فرقا! ثم قال: إن الملكين أتياني.. فقال أحدهما: اقرأ على سبعة أحرف»[32] .


ومع توالي بيان الرسول للخلفية المنهجية، التي تقف وراء تطبيقات تصرف الخطاب على وجوه، استطاع الفكر المسلم ان يستوعب الفكرة، ويعمل على القراءة تصريفا إقتداء بالرسول، واستطاع المميزون منهم أن يشغلوا مقام التدريس، وأثارت تجربة التدريس الجدل عند الجيل الثاني من الدارسين، وان لم تكن بشدة الجدل الأول، لوجود أكثر من مرجعية قادرة على إيضاح الخلفية المنهجية المعقلنة لفكرة تصرف القرآن على سبعة أحرف، كما يعكس ذلك الخبر: «جاء رجل إلى رسول الله (ص)، فقال: أقرأني عبد الله بن مسعود سورة، أقرأنيها زيد، وأقرأنيها أبي بن كعب، فاختلفت قراءتهم فبقراءة أيهم اخذ؟ قال: فسكت رسول الله (ص)، وكان علي [بن أبي طالب] إلى جنبه، فقال علي (ع): «ليقرأ كل كما عُلّم، كل حسن جميل»[41] .


عدل سابقا من قبل admin في الجمعة 4 أبريل - 13:40:01 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المدير
الادارة
الادارة


عدد الرسائل : 1273
نقاط التميز : 2147483647
ذكر
البلد : مغربي

مُساهمةموضوع: علم التأويل: في المتصور القرآني   الأحد 30 مارس - 4:59:29

عندما نرجع إلى القرآن لتحري المنهج المعرفي الذي يتبناه نلاحظ ان الآيات القرآنية أعلنت في المرحلة المكية عن التأويل كمنهج لفقه الخطاب والبيان القرآني، فالآيات التي اعتمدت كلمة التأويل، كانت مكية مثل سورة يوسف، التي تكررت فيها كلمة التأويل ثمان مرات، ومثل سورة الكهف التي وردت فيها كلمة التأويل مرتين، ومن جملة تلك الآيات التي تصرح باعتماد التأويل منهجا، قوله تعالى: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون، هل ينظرون إلا تأويله؟!)53/7، فـ (النظر) في هذه الآية يعبر عن العملية الفكرية، كما في قول ابراهيم لابنه اسماعيل: (أني أذبحك فانظر: ماذا ترى؟ قال ياأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين)102/37 ، والتأويل هو سلاح نظرة الفكر هذه: (هل ينظرون إلا تأويله؟)، واشتق الرسول انطلاقا من هذا الخطاب القرآني خطابا له، أعلن فيه عن تبني التأويل بصفته المنهجية: (ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)7/3..

لقد عرف العرب الجاهليون التأويل من خلال اشتغالهم بالتأويل، المنهج الذي بواسطته تفسر الأحلام والمنامات، فلم يكن التأويل المعني في الخطاب القرآني كمنهج لفقه ذلك الخطاب، إلا التأويل ذاته منهج تفسير الرؤى والأحلام، بدليل ان من جملة الردود التي أسسها الجاهليون في محاولتهم لدحض دلائل النبوة، ما ينقله عنهم القرآن من وصفهم للقرآن بالقول: (بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون)5/21، فوصفوا القرآن بأضغاث الأحلام، وعندما نحاول ان نفهم على أي أساس وصفوه بهذا الوصف، (اضغاث أحلام)، نجد أنهم بنوا هذا الرد على تبني القرآن التأويل الذي عرفوه منهجا لتعبير الرؤى المنامية، فرتبوا على ذلك ان القرآن يقيم خطابه مقام الخطاب الحلمي، ومتابعة لما يعنيه قولهم نرجع إلى قوله تعالى: (قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين)44/12، وهو ما يخولنا القراءة بالإكمال: " بل قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون". فأعربوا بذلك عن عدم تضلعهم في التأويل ليطال الرؤى المركبة، المصطلح عليها بأضغاث الأحلام.

ان تركيبة الخطاب القرآني صممت كي تضاهي تركيبة الخطاب الحلمي، في الصيغة الصعبة المصطلح عليها بـ(الأضغاث)، ففي قوله تعالى: (بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر)5/21، نلااحظ ان القرآن يصف خطابه بأضغاث الأحلام، وبالمفترى، والشعر، إلا إن ما يكمل هذه الحقيقة ان القرآن درأ عن ذاته الوصف بالافتراء في عدة آيات منها قوله تعالى: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور من مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين)13/11، كما درأ عن نفسه الوصف بالشعر بالقول: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له ان هو إلا ذكر وقرآن مبين)36/69، ولم يدرأ او يدفع وصفه بأضغاث الأحلام، وهو ما يشير بوجه من الوجوه الى ان القرآن يتبنى هذا الوصف، وان بنيته صممت لتضاهي أضغاث الأحلام، إذ الضغث هو الجزء وأضغاث الأحلام هي الرؤيا المركبة من عدة أجزاء يمثل كل جزء منها موضوعا، مع فقد الترابط بينها ظاهرا، ليكون الخطاب بذلك ضرب من الطلسمة والحلم المفكك او الاحلام المتداخلة. وهذا النوع من الاحلام اشد الاحلام غموضا، وتعسرا على الفهم.

وإذا ما تحرينا هذا المفهوم في الخطاب القرآني، وجدنا أن القرآن هو خطاب متراكب من أضغاث رؤى وأبعاض أفكار، وأنصاف معلومات، فهو لا يكاد يبدأ برؤية إلا ويسارع إلى بترها ليشرع في تناول أخرى، وهكذا دواليك إلى نهاية نصه، فتتقاطع في خطابه عدة موضوعات.

ويعزز ذلك ان القرآن تبنى منهج تفسير الأحلام ليكون منهجا له، فقال تعالى: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون، هل ينظرون إلا تأويله؟)52-53/7، وقوله: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)7/3، ورد الكفار على اعتماد القرآن التأويل بوصفه بأضغاث الأحلام، فقالوا: (أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين)44/12. حيث هذا النظير يكمل الآية المتقدمة ...

هذا التبعيض في الموضوعات التي نسج منها الخطاب القرآني فرض أن يكون استنطاقه يقوم على جمع أبعاضه تأويلا: (إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه)17-19/75، فهي عملية تتبع، وضم للمتتبعات، (جمع للنظائر)، وتأويل بعضها ببعض، ثم ينتج عن ذلك البيان القرآني الذي يبرز البصيرة ويظهر الحقيقة القرآنية المتعلقة بموضوع البحث، وهو الموضوع الذي قد ينتمي إلى أي حقل من حقول العلم والمعرفة، باعتبار القرآن بيانا شاملا: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)89/16. لا يعجز عن ان يدلي بدلوه في أي موضوع من موضوعات الحياة..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المدير
الادارة
الادارة


عدد الرسائل : 1273
نقاط التميز : 2147483647
ذكر
البلد : مغربي

مُساهمةموضوع: علم التأويل: في أحاديث الرسول   الأحد 30 مارس - 5:00:36

عندما يُبحث عن التأويل في حياة الرسول المعرفية، لا يسع البحث تجاوز البيان المنهجي الذي صدر عنه، يشرح فيه علم التأويل، لقد قدّم الرسول بيانا علميا شاملا، يشرح التأويل على المستوى القواعدي والإجرائي، كما نقدمه في هذا العرض: ...

لقد قال الرسول وهو في صدد عرض علم التأويل: «من أفتى الناس بالمقاييس فقد هلك وأهلك، ومن أفتى الناس وهو لا يعرف الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك»، هذا المشهد نتمثل فيه الرسول وقد توجه إلى ملأ الأمة بالخطاب مشترطا الفتوى بالمعرفة بالناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، مما يدل أن استنباط الفتوى ممارسة منهجية عامة، لم تقتصر على فئة دون أخرى، لها شروطها العلمية المتحققة في تلك العناوين المنهجية التي تؤسس علم الفتوى وتمثل العدة المنهجية للاستنباط، ومن لا يتعاطى الاستنباط من خلالها، فانه يقع في البديل المخالف الذي يستند إلى اللامنهج الذي تمثله مقاييس الرأي .
هذه العدة المنهجية المتكونة في العناوين الأربعة هي التي تتحول إلى عنوانين اثنين، عندما يكشف الرسول(ص) إن المحكم هو الناسخ، والمتشابه هو المنسوخ. قال ذلك عندما سئل عن تفسير قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)7/3، فقال(ص): «المحكمات هن الناسخات والمتشابهات هن المنسوخات»، فهكذا نستنتج ان الفقه باعتباره علما لاستنباط الفتوى يرتكز على المحكم /المتشابه أو الناسخ/المنسوخ.
ثم سلط الرسول(ص) الضوء على العلاقة القائمة بين ركيزتي علم الفقه واستنباط الفتوى المحكم/ المتشابه. فأوضح إن العلاقة بينهما علاقة مرجعية، فيها يرجع الطرف الأصغر إلى الطرف الأكبر، عندما قال(ص): «إن في القرآن متشابها ومحكما فمن ردّ متشابهه إلى مُحكمه، فقد هُدي إلى صراط مستقيم» ، يعزز ذلك دلالة الآية الآنفة: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)7/3، فقد وصفت المحكمات بأم الكتاب، أي أصله، فالمحكمات هن أصول الكتاب. ولما كانت المتشابهات هن غيرها المعاكس، فإنها تعرف بفروع الكتاب. ووصف المحكم بالأصل والمتشابه بالفرع، يكشف ضرورة عودة الفرع إلى أصله منطقيا. ولما عرفنا إن المتشابه هو المجهول، والمحكم هو المعلوم، فان ردّ أو إرجاع المتشابه إلى المحكم هو انتقال من المجهول إلى المعلوم ...
هذه العلاقة المرجعية تكشف عن علاقة تفاعلية بين المحكم والمتشابه، على ضوئها سمي التقسيم ذاته، أي المحكم/ المتشابه، بالناسخ/ المنسوخ، فالناسخ كلمة ترد على وزن فاعل، والمنسوخ كلمة ترد على وزن مفعول. فطرف العلاقة المتشابه يكون في موقع المفعول لانفعاله بالفاعل، بينما طرف العلاقة المحكم يكون في موضع الفاعل لفعله في المفعول. ولما كان النسخ ينتهي بالإحكام، كما يدل على ذلك قوله تعالى: (فينسخ الله ما يلقي الشيطان [:التشابه] ثم يحكم الله آياته)52/22، أي أن عملية نسخ التشابه- المتمثلة في إلقاءات الشيطان- تنتهي إلى الإحكام. بعبارة أخرى، إن النسخ يعقبه الإحكام: (فينسخ ... ثم يُحْكِم). بهذا الخطاب القرآني تتكشف الآلية النسخية التي تتمخض عن علاقة الركائز الأربعة ببعضها: المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ، حيث ردّ المتشابه إلى المحكم يفضي إلى عملية تفاعلية يصطلح عليها بالنسخ.
ولتحقيق مفهوم النسخ نرجع إلى المعجم اللغوي، فالنسخ كلمة ترد - في (لسان العرب)- بمعنى (الإبطال) فيقال: «نسخت الشمس الظل، أي أبطلته». والنسخ يأتي أيضا بمعنى (التثبيت)، كما في قولنا: «نُسِخ الكتاب: أي كتبه وأثبته». كذلك من معاني النسخ، في اللغة، «تبديل الشيء من الشيء»، أيضا من معاني النسخ كما ينقل ابن منظور: «نقل الشيء من مكان إلى مكان». كل هذه المعاني اللغوية يوظفها التراث القرآني ويراكب بينها ليوجد منها تصورا يشرح مفهوم النسخ في القرآن، بالكيفية التالية: عندما ترد الآية المتشابه إلى النظير المحكم، فان التشابه يبطل، وهذا يحقق المعنى الأول للنسخ، ويتزامن أبطال التشابه مع تثبيت الآية على وجه، وهذا يحقق المعنى الثاني للنسخ، ويترتب على ذلك في بعض الصور إبدال الكلمة المتشابهة بالكلمة المحكمة، وهذا يحقق المعنى الثالث للنسخ، وفي إبدال الكلمة بأخرى نقل لتلك الكلمة من موضعها إلى موضع اخر، وهذا يحقق المعنى الرابع للنسخ: «نقل الشيء من مكان إلى مكان». بل مفهوم النقل أيضا يجري عندما نقتطع مقطع من مكانه وننقله ليكمل مقطع اخر. وهكذا نكتشف ان كل الوجوه والمعاني التي تتصرف إليها كلمة (النسخ)- كما يطالعنا بها معجم (لسان العرب) لابن منظور- قد وظفت لتوصف لنا وجوه (النسخ) باعتبارها عنوان علم وممارسة منهجية، وهو ما يمتعنا بوضوح في الرؤية ودقة في الفهم لأبعاد هذا المصطلح ..
يعزز هذا التنظير لمصطلح (النسخ) الواقع التطبيقي في تاريخ الإسلام، الذي نجد فيه الكثير من النماذج، مثال ذلك قراءة ابن عباس لقوله تعالى: (ما ننسخ من آية)106/2 اذ قرأها: (ما نبدل من آية)، واضعا (نبدل) بدل (ننسخ) استنادا للنظير المحكم: (وإذا بدلنا آية مكان آية)101/16. كما نجد النسخ بمعنى النقل في قراءة تلميذ الرسول أبي بن كعب: (كان الناس أمة واحدة [فاختلفوا] فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب)213/2 بإضافة (فاختلفوا). التي أخذت من آية مناظرة هي قوله تعالى: (وما كان الناس إلا أمه واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت)19/10، فنقلت كلمة (فاختلفوا) وألحقت بالآية النظيرة لتكمل وتُتِم المعنى وتنهي التشابه الناشئ عن الجهل بسبب بعثة الأنبياء.
وهكذا يتبين الفرق بين المحكم/المتشابه من جهة، والناسخ/ المنسوخ من جهة أخرى، ويمكننا تعليل الفائدة المرجوة من تعدد عناوين حقيقة واحدة، بإيضاح أن عنوان المحكم/المتشابه يقسم الآيات القرآنية من ناحية الوضوح والغموض، من جهة، بينما عنوان الناسخ/ المنسوخ يقسم الآيات القرآنية من ناحية الفاعلية، الفاعل والمفعول، من جهة أخرى. فيلقي الضوء على العلاقة التفاعلية بين العنوانين، التي فيها يرجع المتشابه باعتباره فرعا مفعولا به إلى المحكم بوصفه أصلا فاعلا، ليحدث تفاعل ينتج عنه نسخ التشابه، وإحكام الآية في وجه من وجوهها، يعبر عن طور تنمو فيه. أي ان الإدراك عندما يواجه الآية المتشابهة التي يلاقي مشكلة في كشف معناها، يستعين بدلالة العنوان التفاعلي أو التناسخي، ليتساءل عن الناسخ، الذي تمثله الآية النظيرة المحكمة، لتوظفه في إبطال التشابه والتحول منه إلى عنوان المحكم.
وعن المتشابه بمعنى المتناظر، وما يؤسس له من منطق مقارن، يقول الإمام الصادق(ع): «المتشابه الذي يشبه بعضه بعضاً»، فهنا المتشابه يطرح بمعنى النظير المماثل وليس المتشابه بمعنى غير المبين، والملتبس غير الواضح، الذي قال عنه من قبل: «المتشابه ما اشتبه على جاهله». ويقصد من التناظر التقاء آيتين قرآنيتين من خلال اشتراكهما في لفظة مثل (جاء)، فيكون التناظر بين الخطابين لفظيا، او من خلال التقاءهم في معنى، مثلا ان يكون في احد الخطابين كلمة (جاء) وفي الخطاب الثاني كلمة (أتى)، فهنا التناظر في المعنى، فهو تناظر معنوي. ولا تعطى أهمية للصيغة، التي يأتي فيها التناظر، فالتتبع ينصب على جذر الكلمة، فعندما نتتبع التناظر في كلمة (علم) فان التتبع يشمل كل اشتقاقات وصيغ هذه الكلمة: (علم، علمه، علمتك، علمي، يعلم، علام، تعلمون، علماء، ... الخ). هذا ما يقصد بالتناظر المعنوي الذي يقع في قبالة التناظر اللفظي.
إلا أن رد الآيات المتشابهات والمتماثلات والمتناظرات إلى بعضها ينبغي أن يأخذ في اعتباره لحاظ آخر، هو أن يرد المتشابه إلى النظير الناسخ للتشابه، وليس إلي أي نظير، أي أن تعقّب التناظر يحتاج إلى الاستهداء بالعقل، وهو الضابط الذي يؤكده الإمام الرضا راويا عن جده الرسول (ص): «إن في القرآن محكماً ومتشابهاً، فمن ردّ المتشابه إلى المحكم فقد هُدى إلى صراط مستقيم، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ فِي أَخْبَارِنَا مُحْكَماً كَمُحْكَمِ الْقُرْآنِ، وَمُتَشَابِهاً كَمُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، فَرُدُّوا مُتَشَابِهَهَا إلى مُحْكَمِهَا ولَا تَتَّبِعُوا مُتَشَابِهَهَا دُونَ مُحْكَمِهَا فَتَضِلُّوا»، فهذا الحديث يلقي الضوء على ان ما قام به ابن حنظله، حيث إتباعه للآية المشار إليها وأشباهها، يتم في إطار إلحاق المتشابه بالنظير المحكم له: «فلا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا»، فهذا النمط من التتبع المتقيد بهذا الأمر يكفل للبحث أن يرد الآيات المتشابهات إلى النظائر والأشباه التي تنسخ التشابه وتحكم وجه الآية، وليس إلى أي نظير من النظائر كيفما اتفق، حتى لا تقع العملية في الضلال.
ولما كان لكل آية أكثر من نظير وشبيه، لفظي أو معنوي، فان ذلك يعني أن للآية أكثر من أصل محكم، كل أصل يصرفها إلى وجه مغاير، فكان من شأن ذلك؛ أن ينتج ظاهرة تكثُّر الوجوه، وهي الظاهرة التي إذا استطاع المرء الدارس للفقه، في الصدر الأول، أن ينتجها، فانه بذلك يثبت بلوغه مرتبة الفقه كل الفقه، وأصبح جديرا بلقب فقيه راسخ في العلم، بشهادة الرسول الذي عرَّف الفقيه بالقول:«لا يكون الرجل فقيها كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة»، فنفهم أن الفقه هو تصريف للقرآن على وجوه، وان المسلم مشروط تأهله لممارسة الفقه بتمكنه من القدرة على تصريف خطاب القرآن على وجوه كثيرة، فمع بلوغه هذه القدرة يكون قد انطبق عليه تعريف الرسول، وبذلك صار جديرا بالفقه، ومن دون امتلاك هذه المقدرة يصبح ادعاء الفقه والفقاهة ادعاء لا دليل عليه.
ولما عرفنا أن الرسول(ص) قد قال:«ومن أفتى الناس وهو لا يعرف الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك»، فبمقارنة ذلك مع قوله(ص):«لا يكون الرجل فقيها كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة»، يتضح أن الفقيه هو الذي يمارس الإفتاء، فالفقيه هو المفتي، وان الموضوع في كلا الحديثين متفق، فلما كان الفقيه المفتي من جهة لا يكون كذلك حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة، ومن جهة أخرى، لا يتسنى له ممارسة الفقه والإفتاء حتى يعرف أركان علم الفقه والفتوى، التي تتلخص بالمحكم/ المتشابه أو الناسخ/ المنسوخ، فمن شان ذلك أن يجعل عملية تأويل القرآن على وجوه تؤسس على المعرفة بركائز الفتوى، وما تنشأ بينها من علاقة مرجعية، فيها ينسخ المحكم تشابه المتشابه، ويؤوله ويصرفه على وجوه كثيرة، يجمع هذه المحصلة للحديثين الخبر: «أَنَّ عَلِيّاً (ع) مَرَّ عَلَى قَاضٍ فَقَالَ: أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ: هَلَكْتَ وأهلكْتَ، تأويل كل حرف في القرآن على وجوه». رابطا بين المعرفة بالناسخ والمنسوخ وبين تصريف الكتاب على حروف ووجوه كثيرة.
فأتضح مما تقدم أن الآية المتشابهة هي الآية التي غمض معناها، وجهلنا وجهها ودلالتها أو هي الآية المضطربة في دلالتها، المترددة في وجوهها، بينما الآية المحكمة هي الآية التي يتميز وجهها ومعناها بالوضوح والبيان والثبات. وعملية ردّ الآية المتشابهة إلى الآية المحكمة، لتجاوز التشابه وإجلاء المعنى والدلالة والوجه، تأتي في إطار إرجاع الفرع إلى أصله. فتمنح عملية إرجاع الآيات إلى بعضها للآيات تسمية، تشير إلى وظيفتها التفاعلية، فالآية المتشابهة يطلق عليها اسم الآية المنسوخة، والآية المحكمة يطلق عليها اسم الآية الناسخة. حيث كلمة النسخ في اللغة تتضمن وجوه منها: (الإبطال)، المتجلي في زوال التشابه، وإبطال تنازع الوجوه. ومن وجوهها (التثبيت) حيث تثبّت الآية على وجه من وجوهها بوضوح، ويستدل بالتماثل القرآني على ارتباط المثل بشبهه بعلاقة تفسيرية. فإلحاق الآيات ببعضها يؤدي إلى إجراء تحولات في دلالة الآيات، للكشف عن وجوهها، ظاهرة وباطنه، وهي التحولات التي تبرز فيها وجوه وتختفي أخرى، هذا التصريف للوجوه يستهدف تثبيت الخطاب على قراءة ووجه، يتناول الحقيقة المبحوث عنها، المصطلح عليها بالفتوى. ويمكن اختصار هذه العملية المعنونة بـ (الاعتبار- التأويل) بالرسم الإيضاحي التالي، الذي نشرحه بعد عرضه:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
قصص رسول الله (ص) وارث علم التأويل
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى شباب العرب  :: ركن الابداع الأدبي :: ركن الابداع قصصي وروائاتي-
انتقل الى: