منتدى شباب العرب
مرحبا بك في منتدى شباب العرب
لتتمكن من
الإستمتاع بكافة ما يوفره لك هذا المنتدى من خصائص, يجب عليك أن تسجل
الدخول الى حسابك في المنتدى. إن لم يكن لديك حساب بعد, نتشرف بدعوتك
لإنشائه في بضع توني





منتدى شباب العرب

| الوظائف | التعارف | دردشة | الدين | التغذية | الصحة| صور| الرياضة | الطرائف | النكت | ألعاب | الإنترنت |قضايا أدم وحواء | الروايات | القصص | الأنمي |أناشيد الاسلامية |
 
الرئيسيةخدماتس .و .جالتسجيلدخول
إعلانات

شاطر | 
 

 هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
тστα
نائبة المدير
نائبة المدير
avatar

عدد الرسائل : 492
نقاط التميز : 1281
انثى
البلد : سعودي

مُساهمةموضوع: هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم   الجمعة 5 فبراير - 15:32:04

</SPAN>

بين هجرة الحبشة الأولى والهجرة الثانية حدث في مكة خطبٌ جلل غَيَّرَ الكثير في مسيرة الدعوة الإسلاميَّة، وقد تمثَّل في إسلام حمزة بن عبد المطَّلب عمِّ رسول الله r، الذي كان أكثر الناس عزَّة ومنعة، وأقواهم بأسًا وشكيمة، ليصبح بعد ذلك أسد الله.

ثم إسلام عمر بن الخطاب t، بعده بثلاثة أيَّام فقط، والذي لقَّبه الرسول r بالفاروق؛ إذ فرَّق الله به بين الحقِّ والباطل، وبين مرحلتين من تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة، فمنذ اللحظة الأولى لإسلامه لم يستطع عمر t أن يكتم إيمانه، فتوجَّه لرسول الله r وسأله: ألسنا على الحقِّ؟ قال له رسول الله r: نعم. قال: ففيم الاختفاء؟ فوافقه رسول الله r على الإعلان، ومِن بعدها سيبدأ ظهور الإسلام والمسلمين في مكة، وستؤدَّى الشعائرُ أمام أهل مكة في وضح النهار، وبهذا يكون عمر t هو الذي اخْتُصَّ بدعوة الرسول r: " اللَّهُمَّ أَيِّدِ الإِسْلامَ بِأَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ" [26].

هذا، وبعد إسلام هذين البطلين الجليلين ظهر الإسلام في مكة، وأعلن كثيرٌ من المسلمين إسلامهم، ولم يجد المشركون بُدًّا من استعمال طريقة أخرى بدلاً من التعذيب، فكانت مساومة النبي r ليكفُّوه عن دعوته؛ فقام أحد كبرائهم -وهو عتبة بن ربيعة- إلى رسول الله r فعرض عليه المال والسيادة والمُلْكِ على قريش والعرب كلها، أو أن يحضروا له أمهر الأطباء لمعالجته إن كان ما يقوله بسبب مرض أو مسٍّ من الجنِّ... إلاَّ إن رسول الله r أجابه بكلام الله U، حيث قرأ آياتٍ من سورة فصلت، أُخِذَ بها عتبة وَبَهَرَتْهُ كلَّ الإبهار، فقام من فوره إلى قومه وعيناه زائغتان، حتى دخل على زعماء قريش، ولم يكن الأمر يحتاج إلى كثير ذكاء حتى يعرف الجميع ما حدث، حتى لقد قال بعضهم: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، وحين جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ وبلسان عجيب وفي غاية الصدق، بدأ أبو الوليد عتبة يحكي تجرِبته ويقول: لقد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قطُّ، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش: أطيعوني واجعلوها بي، وخلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونَنَّ لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تُصِبْه العرب فقد كُفِيتُموه بغيركم، وإن يَظهر على العرب فمُلْكُه مُلْكُكُم وعزُّه عزُّكم، وكنتم أسعد الناس به. وفي ذهول تامٍّ ردُّوا عليه، وقالوا: سَحَرَك والله يا أبا الوليد بلسانه. فأجابهم: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم [27].

حصار النبي في شعب أبي طالب

كان أبو طالب عمُّ رسول الله r مراقِبًا للوضع من بعيد، فخشي على ابن أخيه من إيذاء قريش وبطشهم، فقرَّر أن يجمع بني عبد مناف لنصرة رسول الله وحمايته، فوافق الجميع، مسلمهم وكافرهم؛ حمية للجوار العربي، الأمر الذي أصبحت معه مكة على أعتاب أزمة خطيرة، وأصبحت المواجهة بين بني عبد مناف وبين بقيَّة قريش حتميَّة لا مناصَ منها، وحينئذٍ أخذت قريش قرارًا خطيرًا هو المقاطعة وتفعيل سياسة الحصار الاقتصادي لبني عبد مناف، والتجويع الجماعي لهم، كفارًا ومسلمين، واتفقوا على ألا يناكحوهم، ولا يزوِّجوهم ولا يتزوَّجوا منهم، ولا يُبايعوهم، ولا يجالسوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلِّموهم، وأن لا يقبلوا من بني هاشم وبني المطَّلب صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يُسْلموا رسول الله r لهم للقتل!!

وهنا بدأت حِقبة جديدة من المعاناة والألم، حيث حُوصِر المسلمون والمشركون من بني عبد مناف ومعهم أبو طالب في "شِعْبِ أبي طالب"، وقد بلغ الجهد بهم حتى إنه كانت تُسمع أصوات النساء والصبيان وهم يصرخون من شدَّة الألم والجوع، وحتى اضطروا إلى أكل أوراق الشجر والجلود، وقد ظلَّت تلك المأساة البشريَّة طيلة ثلاثة أعوام كاملة، حتى جاء شهر المحرم من السنة العاشرة من البعثة، وشاء الله U أن يُفكَّ الحصار البشع عن بني هاشم وبني عبد المطَّلب، وكان ذلك على يد ثُلَّة من مشركي قريش جمعتهم النخوة والحميَّة القبليَّة، ثم بفضل آية قاهرة من آيات الله U، تمثَّلت في الأَرَضَة التي أكلت جميع ما في الصحيفة التي اتَّفقوا عليها، من جَوْر وقطيعة وظلم، إلا ذكر اللَّه U!!

وبعد هذا الحصار وفي هذه السنة -العاشرة من البعثة- مرض أبو طالب عمُّ رسول الله r، وأحسَّ الجميع بأنه مرضُ الموت، وخافت قريش أن تُعاب بعد موته إن هي آذت رسول الله r، فكوَّنت وفدًا من زعمائها إلى أبي طالب يعرضون عليه أن يكفُّوا عن إيذاء رسول الله ويكفَّ هو عن إيذاء آلهتهم، فما كان من رسول الله r إلا أن قال: " يَا عَمُّ، أَفَلا تَدْعُوهُمْ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ؟" قال أبو طالب: وإلام تدعوهم؟ قال: " أَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلِمَةِ وَاحِدَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ، وَيَمْلِكُونَ بِهَا الْعَجَمَ". فقال أبو جهل بلهفة: ما هي؟ ثم أقسم: وأبيك لنعطيكها وعشر أمثالها. فقال رسول الله r في ثبات: " تَقُولُونَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهَ. وَتَخْلَعُونَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ". فصفَّقوا بأيديهم، ثم قالوا: أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ إن أمرك لعجب! ثم إنَّ بعضهم قال لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئًا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه. ثم تفرَّقوا [28].

[26] الطبراني: المعجم الكبير (11657)، ورواه الترمذي عن نافع عن ابن عمر بلفظ: "اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ". قال: وكان أحبهما إليه عمر. (3681). وصححه الألباني انظر: مشكاة المصابيح (6036).

[27] ابن هشام: السيرة النبوية 1/294، وابن كثير: السيرة النبوية 1/505، والسهيلي: الروض الأنف 2/45، 46.

[28] انظر: ابن هشام: السيرة النبوية 1/417.

عام الحزن

حدثت للمسلمين مصيبتان كبيرتان في هذه السنة، الأولى هي موت أبي طالب، عمِّ رسول الله r، والسند الاجتماعي المهمّ له، والثانية وفاة خديجة رضي الله عنها، زوج رسول الله r والسند العاطفي والقلبي له!!

وقعت هاتان الحادثتان المؤلمتان خلال أيَّام معدودة، فازدادت مشاعر الحزن والألم في قلب رسول الله r، وزاد عليه ما كان مِن تجرُّؤ المشركين عليه، حيث كاشفوه بالنكال والأذى بعد موت عمِّه أبي طالب، فازداد غمًّا على غمٍّ حتى يئس منهم، وخرج إلى الطائف؛ رجاء أن يستجيبوا لدعوته أو يُئووه وينصروه على قومه، فلم يرَ ناصرًا ولم يرَ مَن يُئوي، بل تطاولوا عليه r وأَغْرَوْا به سفهاءهم الذين رَمَوْهُ بالحجارة هو ومولاه زيد بن حارثة، حتى دَمِيَتْ قدمه الشريفة، وشُجَّ رأس زيد، ولم يزل به السفهاء حتى ألجئُوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، فلما التجأ إليه رجعوا عنه، وأتى رسول اللَّه r إلى حَبَلَة [29] من عنب فجلس تحت ظلِّها إلى جِدَار، فلمَّا جلس إليه واطمأنَّ، ودعا بالدعاء المشهور الذي يدلُّ على امتلاء قلبه كآبة وحزنًا ممَّا لقي من الشدَّة، وأسفًا على أنه لم يؤمن به أحد.

ولما رآه ابنا ربيعة تحرَّكت له رحمهما، فدَعَوْا غلامًا لهما نصرانيًّا يقال له: عَدَّاس. قالا له: خُذْ قِطْفًا من هذا العنب، واذهب به إلى هذا الرجل. فلمَّا وضعه بين يدي رسول اللَّه r مدَّ يده إليه قائلاً: " بِاسْمِ اللَّهِ". ثم أكل، فقال عَدَّاس: إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فقال له رسول اللَّه r: " مِنْ أَيِّ الْبِلادِ أَنْتَ؟ وَمَا دِينُكَ؟" قال: أنا نصراني، من أهل نينوى. فقال رسول اللَّه r: " مِنْ قَرْيَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى؟". قال له: وما يُدريك ما يونس بن متَّى؟ قال رسول اللَّه r: " ذَاكَ أَخِي، كَانَ نَبِيًّا وَأَنَا نَبِيٌّ". فأكبَّ عَدَّاس على رأس رسول اللَّه r ويديه ورجليه يُقَبِّلُها. فقال ابنا ربيعة أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلمَّا جاء عَدَّاس قالا له: ويحك ما هذا؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيء خير من هذا الرجل، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي. قالا له: ويحك يا عَدَّاس! لا يصرفنَّك عن دينك، فإن دينك خير من دينه [30].

ثم رجع رسول اللَّه r في طريق مكة بعد خروجه من الحائط كئيبًا حزينًا، وقد بعث اللَّه إليه جبريل ومعه ملك الجبال يستأمره أن يُطْبِق الأخشبين على أهل مكة، فقال النبي r: " بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا" [31]. ودخل رسول الله rمكة في إجارة "المُطْعِمِ بن عديٍّ"، الذي قَبِلَ إجارته وحَذَّرَ قريشًا من أن يُؤذوا رسول الله r ما دام في جواره.

وفي مكة لم يتوقَّف رسول الله r عن الدعوة، وقد انتهز فرصة موسم الحج ليدعو القبائل والوفود إلى الإسلام ونصرة هذا الدين، فكان يأتيهم قبيلة قبيلة يعرض عليهم الإسلام ويدعوهم إليه، ولم يستجب أحد منهم في هذه السنة، ومن هذه القبائل: بنو كلب، وبنو حنيفة الذين لم يكن أحد من العرب أقبح ردًّا على رسول الله r منهم.

وفي خِضَمِّ هذه الأحداث التي اشتدَّ وقعها على رسول الله r، تُوُفِّيَتْ زوجه خديجة وعمُّه أبو طالب في السنة العاشرة من البَعْثة، وقعت هاتان الحادثتان المؤلمتان فازدادت مشاعر الحزن والألم في قلب رسول الله r، ففكَّر رسول الله r أن يخرج بدعوته من مكة، فاتَّجه إلى أكبر القبائل بعد قريش وهي قبيلة ثقيف بالطائف؛ رجاء أن يستجيبوا لدعوته أو يُئْوُوه وينصروه على قومه، فلم يرَ ناصرًا ولم يرَ مَن يُئوي، وقد قال له أحدهم: أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك؟ وقال آخر: والله لا أكلمك أبدًا... لئن كنت رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظم خطرًا من أن أردَّ عليك الكلام، ولئن كنتَ تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلِّمَك!

وهنا قام رسول الله r من عندهم وقد يئس من خيرهم، وقال لهم: " إِذْ قَدْ فَعَلْتُمْ فَاكْتُمُوا عَنِّي". إلاَّ إنهم لم يفعلوا، بل تطاولوا عليه r وأَغْرَوْا به سفهاءهم الذين رَمَوْهُ بالحجارة هو ومولاه زيد بن حارثة، حتى دَمِيَتْ قدمه الشريفة، وشُجَّ رأس زيد، ولم يزل به السفهاء حتى ألجئُوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وهناك التجأ إلى شجرة وأخذ يدعو بالدعاء المشهور: " اللَّهُمَّ إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلا أُبَالِي ..." [32].

وفي العام التالي وهو العام الحادي عشر من البعثة كان قد أسلم على يدي رسول الله r من خارج مكة أربعة من الرجال: سويد بن صامت من قبيلة الأوس بيثرب وكان شاعرًا، وإياس بن معاذ وكان صغيرًا في السن بين الثانية عشرة والثالثة عشرة [33]، وكان إسلام الاثنين الآخَرَيْنِ فتحًا على المسلمين؛ إذ جاء كل واحد منهما بقبيلته بعد ذلك مسلمة، الأول هو أبو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ t وقبيلته هي غِفَار، والتي قال عنها النبي r: " غِفَارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا" [34]. والثاني هو الطفيل بن عمرو الدَّوْسِيُّ t، وكان سيد قبيلته دَوْسٍ من قبائل اليمن، وقد جاء إلى الرسول r في المدينة بسبعين أو ثمانين بيتًا من دَوْسٍ، كلُّ بيت كان يضمُّ عددًا كبيرًا [35].

[29] هي شجرة العنب. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة جبل 11/134.

[30] الطبري: تاريخ الرسل والملوك 2/81، وابن كثير: البداية والنهاية 3/167.

[31] البخاري: كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى (3059).

[32] السهيلي: الروض الأنف 2/231، وابن هشام: السيرة النبوية 1/420.

[33] ابن هشام: السيرة النبوية 1/427، 428.

[34] البخاري: كتاب المناقب، باب ذكر أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع (3322).

[35] ابن هشام: السيرة النبوية 1/382-385.


الإسراء والمعراج

منَّ الله علي رسوله r برحلة الإسراء والمعراج [36] مواساة له r، ولتمسح عنه الأحزان، وتنقله r إلى عالم أرحب وأُفق أقدس وأطهر، إلى حيث سِدْرَة المنتهى، والقُرْب من عرش الرحمن, ولتعدُّه r إعدادًا خاصًّا لمرحلة أكبر وأعظم؛ وهي مرحلة إقامة الدولة الإسلاميَّة العالميَّة التي تنشر الهدى والحقَّ للعالمين U [37].

وقد كان من حكمته r إزاء ما كان يلقى من أهل مكة من التكذيب والصدِّ عن سبيل الله أنه كان يخرج إلى القبائل في ظلام الليل، حتى لا يَحُولَ بينه وبينهم أحدٌ من أهل مكة المشركين، وقد خرج ليلة ومعه أبو بكر وعلي فمرَّ على منازل ذهل وشيبان بن ثعلبة وكلَّمهم في الإسلام، ودارت بين أبي بكر وبين رجل من ذهل أسئلة وردود طريفة، وأجاب بنو شيبان بأرجى الأجوبة، غير أنهم توقَّفوا في قَبُولِ الإسلام.

ثم مرَّ رسول الله r بعَقَبَة مِنًى، فرأى ستَّة من شباب يثرب، كلهم من الخزرج، وهم: أسعد بن زرارة، وعون بن الحارث بن رفاعة، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد اللَّه بن رئاب، وكان أهل يثرب يسمعون من حلفائهم من يهود المدينة: أن نبيًّا من الأنبياء مبعوث في هذا الزمان سيخرج فنتَّبعه، ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلمَّا لحقهم رسول الله r قال لهم: " مَنْ أَنْتُمْ؟" قالوا: نفر من الخزرج. قال: " مِنْ مَوَالِي الْيَهُودِ؟" أي حلفائهم، قالوا: نعم. قال: " أَفَلا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمكُمْ؟" قالوا: بلى. فجلسوا معه، فشرح لهم حقيقة الإسلام ودعوته، ودعاهم إلى الله U، وتلا عليهم القرآن. فقال بعضهم لبعض: تعلمون واللَّه يا قوم، إنه للنَّبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنَّكم إليه. فأَسْرَعُوا إلى إجابة دعوته وأسلموا، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشرِّ ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزّ منك [38].

[36]هناك اختلاف بيِّن في زمن الإسراء والمعراج، فقيل: قبل الهجرة بسنة. وهو قول ابن سعد (الطبقات 1/ 214) وغيره، وبه جزم النووي (شرح صحيح مسلم 2/ 209)، كما ورد عند ابن سعد أنه كان في رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا، وحكى ابن عبد البر أنه كان في رجب، وجزم به النووي، وحكى ابن الأثير أنه كان قبل الهجرة بثلاث سنين (الكامل 2/ 33)، وقيل غير ذلك. انظر محمد الأمين بن محمد: السيرة النبوية من فتح الباري 1/ 233. ويُعلِّق الشيخ أبو زهرة فيقول: "وننتهي من هذا بأن علماء السيرة النبوية مختلفون في تعيين اليوم الذي كان فيه الإسراء، ولكن الواقعة ثابتة، وقد اتفقوا على أنها كانت بعد ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وردِّهم له الردَّ المنكَر، وأن كونها في ليلة السابع والعشرين من رجب ثبتت بخبر لم يصح سنده في نظر الحافظ المحدث ابن كثير...". انظر رزق هيبة: الإسراء والمعراج وأثرهما في تثبيت العقيدة ص91.

[37] الطبري: تاريخ الرسل والملوك 2/80.

[38] الطبري: تاريخ الرسل والملوك 2/86، وابن كثير: البداية والنهاية 3/181، 182.

بيعة العقبة الأولى

في موسم الحجِّ التالي جاء خمسة رجال من هؤلاء الستَّة، وقد تمكَّن الإيمان من قلوبهم، ومعهم سبعة من المسلمين الجُدُد، والْتَقَوْا مع رسول الله r عند العقبة بمكة، ودارت بينهم مباحثات مهمَّة، كان رسول الله r حريصًا فيها على تأسيس النواة الأولى التي ستقوم على أكتافها دولة الإسلام؛ يقول عبادة بن الصامت t: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلاً، فبايعنا رسول الله r على بيعة النساء [39]، على أن لا نُشرك بالله، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفَّيتم فلكم الجنة، وإن غَشَيتم من ذلك شيئًا فأمركم إلى الله U، إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم [40].

أول سفير في الإسلام

تمَّت بيعة العقبة الأولى المباركة، وعاد الأنصار الاثنا عشر إلى يثرب ليستكملوا دعوتهم ونشاطهم هناك، وقد أرسل معهم رسولُ الله r مصعب بن عمير t؛ ليُعَلِّمهم أمور دينهم، وليكون أوَّل سفير في الإسلام، ويقوم هو ومن معه من الأنصار بجهد منظَّم لجمع شمل الأنصار (الأوس والخزرج).

فبدأ مصعب وأسعد بن زرارة الخزرجي رضي الله عنهما التحرُّك لنشر الإسلام في يثرب، فأسلم على يده أُسَيْد بن حُضَيْرٍ وسعد بن معاذ رضي الله عنهما، وهما سيِّدا بني عبد الأشهل من قبيلة الأوس، والذي بإسلامهما لم يَبْقَ في بني عبد الأشهل بيتٌ إلا ودخله الإسلام، ثم لم تبقَ بعد ذلك -بفضل نشاطهم في الدعوة- دار من دور يثرب إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، ثم عاد مصعب بن عمير t قبل موسم الحجِّ في العام الثالث عشر من النبوَّة إلى مكة ليخبر الرسول r بإيمان الأنصار، ويوضِّح له منعة المدينة (يثرب) ومنعة رجالها، وقوَّة بأسها [41].

وحين جاء موسم الحجِّ في العام الثالث عشر من الْبَعثة حضر لأداء مناسك الحجِّ من أهل يثرب ثلاثة وسبعون رجلاً من المسلمين وامرأتان، جاءوا ضمن حُجَّاج قومهم من المشركين، وقد تساءل هؤلاء المسلمون فيما بينهم، وهم لم يزالوا في يثرب أو كانوا في الطريق: حتى متى نترك رسول اللَّه r يُطرد في جبال مكة ويخاف؟! بما يدلُّ على الحمية العظيمة والثبات العجيب للأنصار، وهو ما سنراه في بيعة العقبة الثانية وبعد ذلك [42].

[39] عُرِفَتْ بذلك لأنه لم يُفرض فيها حرب ولا جهاد.

[40] الطبري: تاريخ الرسل والملوك 2/88.

[41] انظر: ابن هشام: السيرة النبوية 1/435-439، وابن كثير: السيرة النبوية 2/181-184.

[42] صحيح ابن حبان: كتاب التاريخ، ذكر وصف بيعة الأنصار رسول الله r ليلة العقبة بمنى (6380)، وابن كثير: البداية والنهاية 3/194


بيعة العقبة الثانية

لما قَدِمَ هذا الوفد مكة جَرَتْ بينهم وبين النبي r اتِّصالات سرِّيَّة أدَّت إلى الاتِّفاق على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق عند العقبة؛ وذلك ليُضَيَّق على مشركي مكة فرصة تتبُّع وفد الأنصار، وأيضًا أن يتمَّ هذا الاجتماع في سرِّيَّة تامَّة في ظلام الليل؛ حيث لا يراهم أحد، وقد تمَّ اللقاء المَهِيب عند العقبة، والتي عُرِفَتْ ببيعة العقبة الثانية أو الكبرى، والذي كان من نتائجها أن تغيَّرت خريطة العالم بعد ذلك وقامت للإسلام دولة.

التقى رسول الله r بالأنصار في العقبة، وبدأ العباس t الكلام، وكان ما زال مشركًا إلا أنه أحبَّ أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثَّق له؛ فَبَيَّنَ للأنصار مكانة رسول الله r في بني هاشم، ومكانة بني هاشم بمكة، وأنه لا حاجة له بهم إذا لم يكونوا قادرين على نصرته، فلم يكن من الأنصار إلا أن قالوا في أدب: قد سمعنا ما قُلْتَ، فتكلَّم يا رسول الله، فخذْ لنفسك ولربِّك ما أحببت. وهنا بدأ رسول الله r يضع بنود البيعة فقال: " تُبَايِعُونَنِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ تَقُومُوا فِي اللَّهِ لاَ تَأْخُذُكُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ إِلَيْكُمْ، وَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ" [43].

ويُلاحَظ هنا تلك المفارقة بين ما طلبه رسول الله r من الأنصار في بيعة العقبة الأولى وما طلبه منهم هنا في بيعة العقبة الثانية؛ ففي الأولى كان الرسول r يبني فردًا مسلمًا مؤمنًا، يتَّصف بعقيدة سليمة وبأخلاق حميدة، ولكنه هنا يبني أُمَّة؛ فهو يحتاج لما هو أعلى وأرقى، يحتاج لمكابدة وصبر وقوَّة تحمُّل، ويحتاج لبذل وكفاح ودماء.

وقد ردَّ عليه وفد الأنصار: والذي بعثك بالحق نبيًّا، لنمنعنَّك مما نمنع منه أُزُرَنَا [44]، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب، وأبناء الحلقة [45]، ورثناها كابرًا عن كابر. وقد أراد أحدُ أفراد الوفد أن يستوضح من أمر البيعة فيما يتعلَّق بعَلاقتهم باليهود، فقام وقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين اليهود في المدينة حبالاً وإنَّا قاطعوها، فهل عسيتَ إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتَدَعَنَا؟ فما كان من رسول الله r إلا أن تبسَّم ثم قال: " بَلِ الدَّمَ الدَّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ" [46].

وهنا ولمَّا قام الأنصار يبايعون، قام العباس بن عبادة الخزرجي، وهو من رجال بيعة العقبة الأولى، يخاطب قومه وكأنه ينبِّههم إلى خطورة ما هم مُقدِمُون عليه، فقال: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم. فقال العباس بن عبادة موضِّحًا لهم: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نُهِكَت أموالكم مصيبةً، وأشرافُكم قتلاً أسلمتموه، فمِن الآن، فهو -والله- إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نَهْكَة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو -والله- خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: " الْجَنَّةُ". فقالوا جميعًا: ابسط يدك يا رسول الله [47].

وهنا أيضًا قام أسعد بن زرارة t وأمسك يد رسول الله r يبعدها عن أيدي الأنصار، ثم قال محذِّرًا: رويدًا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافَّة، وقتل خياركم، وأنْ تَعَضَّكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فهو أعذر لكم عند الله. فقالت الأنصار: يا أسعد، أمط عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها.

يقول جابر بن عبد الله راوي القصة: فقمنا إليه رجلاً رجلاً، فأخذ علينا البيعة يعطينا بذلك الجنة، حتى النساء -المرأتان اللتان شاركتا في هذه البيعة- بايعتا بيعة الحرب، وكانت مبايعتهما مشافهة بالكلام وليس باليد، ثم قال رسول الله r للأنصار: " أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمُ اثَنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا؛ لِيَكُونُوا عَلَى قَوْمِكُمِ بِمَا فِيهِمْ". فانتخب الأنصار نوَّابهم بنسبة التمثيل في البيعة، فكان الخزرج يمثِّلون خمسة وسبعين في المائة من المبايعين، وكذلك كان نوَّابهم يمثِّلون خمسة وسبعين بالمائة من النواب، وقد قال لهم رسول الله r: " أَنْتُمْ عَلَى قَوْمِكُمْ بِمَا فِيهِمْ كُفَلاَءُ كَكَفَالَةِ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، وَأَنَا كَفِيلٌ عَلَى قَوْمِي" [48].

وعلى الرغم أن رسول الله r ومن معه من المؤمنين قد أخذوا كافَّة الاحتياطات لتأمين مكان البيعة، ونجاحهم بالفعل في الاختفاء عن أعين المشركين، إلا أن إرادة الله شاءت أن يكشف الشيطان لأهل مكة هذا الأمر، فاجتمع زعماء قريش، وكوَّنُوا وفدًا، وذهبوا يخاطبون رئاسة الوفد اليثربي والمتمثِّلة في عبد الله بن أُبيِّ بْنِ سلولَ المشرك، الذي كان لا يدري شيئًا عن أمر البيعة، فقالوا: "يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حيٍّ من العرب أبغض إلينا من أن تَنْشَبَ الحرب بيننا وبينهم منكم". وهنا هبَّ مشركو يثرب يدافعون عن أنفسهم، فقالوا: نحلف بالله ما كان من شيء، وما علمناه. فاقتنع وفد مشركي مكة وعادوا، ولكنهم قاموا ببعض التحرِّيَّات فعلموا أن الخبر صحيح، فأسرعوا إليهم ليدركوهم، فوجدوا أن الحجيج قد نفروا، فأسرعوا وراءهم فرأوا عن بُعْدٍ سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو -رضي الله عنهما- فطاردوهما، فاستطاع المنذر بن عمرو أن يهرب، فأمسكوا بسعد بن عبادة t سيد الخزرج، فقيَّدوه بالحبال وربطوا يده على عنقه، وجعلوا يضربونه ويجرُّونه ويجذبونه من شعره حتى أعادوه إلى مكة، فجاء المطعِم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية فخلَّصاه من أيديهم؛ إذ كان سعد يُجِير لهما قوافلهما المارَّة بالمدينة، وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكروا إليه، فإذا هو قد طلع عليهم، فوصل القوم جميعًا إلى المدينة، وبدءوا يمهِّدون الوضع هناك لاستقبال الرسول r ليؤسِّسُوا النواة الأولى للعاصمة الأولى في الإسلام: المدينة المنورة [49].

هذا، وبعد أن نجحت بيعة العقبة الثانية، وأصبح الأنصار يمثِّلون عددًا لا بأس به في المدينة المنوَّرة، وَقَبِلوا أن يستقبلوا رسول الله r ويحموه، صدر الأمر النبوي لجميع المسلمين القادرين على الهجرة أن يهاجروا إلى يثرب، ولم يبدأ هو r في الهجرة إلا بعد أن هاجر الجميع إلى المدينة.

على أن معنى الهجرة هنا لم يكن يعني إلا التضحية بالأموال، وإهدار المصالح، مع الإشعار بالهلكة في أوَّل الطريق أو نهايته، وبأن المهاجر إنما يسير نحو مستقبل مبهم لا يدري ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان فيما بعد
[43] أحمد عن جابر بن عبد الله (14496) وقال شعيب الأرناءوط: إسناده صحيح على شرط مسلم. وابن حبان (6274)، والحاكم (4251) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد جامع لبيعة العقبة ولم يخرجاه.

[44] أي: أنفسنا ونساءنا، والأُزُر جمع إزار، ويكنى بالإِزار عن النفس وعن المرأة. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة أزر 4/16.

[45] الحَلْقَةُ: اسم لجُملة السِّلاح والدُّروع وما أَشبهها. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة حلق10/58.

[46] أحمد عن كعب بن مالك (15836)، وقال شعيب الأرناءوط: حديث قوي وهذا إسناد حسن.

[47] ابن هشام: السيرة النبوية 1/446، والطبري: تاريخ الرسل والملوك 2/93، وابن كثير: البداية والنهاية 3/198.

[48] ثقات ابن حبان 1/111، وابن هشام: السيرة النبوية 1/446، والطبري: تاريخ الرسل والملوك 2/93.

[49] مسند أحمد: مسند المكيين، حديث كعب بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه (15237)، وثقات ابن حبان 1/112، والطبري: تاريخ الرسل والملوك 2/94، وابن كثير: البداية والنهاية 3/200.

الإذن بالهجرة

بدأ المسلمون يهاجرون، وهم يعرفون كلَّ هذه العواقب، وفي اللحظة نفسها أخذ المشركون يَحُولُون بينهم وبين خروجهم؛ وذلك لما كانوا يحسُّونه من الخطر، فعلى سبيل المثال كان أبو سلمة من أول المهاجرين، فخرج هو وزوجته وابنه، إلا أن أهل زوجه منعوها من الهجرة وأخذوها عندهم، فجاء أقارب زوجها فأخذوا ابنها سلمة منها، بعد أن خلعوا ذراعه نتيجة لتنازعهم عليه مع أهل أبي سلمة، فظلَّت أُمُّ سلمة تبكي لفراق زوجها وولدها وحرمانها من الهجرة مدَّة عام كامل، حتى رَقَّ لحالها أحدهم، فردُّوا ابنها إليها، وأذنوا لها أن تلحق بزوجها، فخرجت مع ولدها منفردَيْنِ إلى المدينة، فأخذت النخوة والمروءة عثمان بن طلحة فصحبها إلى المدينة لحراستها وتأمينها، فكانت أوَّل امرأة مهاجرة تدخل المدينة، وعاد عثمان بن طلحة وبقي على شركه، ولم يُسْلِم إلا في العام السابع للهجرة [50] t.

ولما أراد صهيب الهجرة قال له كُفَّار قريش: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغتَ الذي بلغتَ، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك. فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلتُ لكم مالي، أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم. قال: فإني قد جعلت لكم مالي. فبلغ ذلك رسول اللَّه r فقال: " رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى، رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى" [51].

وفي حين كان أغلب الصحابة يهاجر سرًّا لِيَتَّقُوا إيذاء قريش، فإن عمر بن الخطاب t خرج وهو متقلِّد سيفه، وفي يده الأخرى عدَّة أسهم، ووقف ينادي عند الكعبة قائلاً: يا معشر قريش، مَن أراد أن تثكَلَهُ أمه، أو يُوتمَّ ولدُه، أو تُرَمَّل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي. فلم يخرج خلفه أحدٌ، بل هاجر معه t عشرون من ضعفاء الصحابة [52].

وعلى كلٍّ فقد خرج الناس أرسالاً يتبع بعضهم بعضًا، حتى لم يبقَ بمكة من المسلمين إلا رسول اللَّه r وأبو بكر وعليٌّ، أقاما بأمره r لهما، وإلا من احتبسه المشركون كرهًا، وقد أعدَّ رسول اللَّه r جهازه ينتظر متى يُؤمر بالخروج [53].

أما قريش فكانت تُفَاجَأُ كلَّ يوم بهجرة رجل أو رجلين أو عائلة، بل إن بعض الفروع من القبائل قد هاجرت بكاملها، وخَلَتْ كثير من ديار مكة من سكانها، وهو الأمر الذي أوقع فيهم سادتها ضجَّة كبيرة، وأخذ القلق يساورهم بشكل لم يسبق له مثيل؛ إذ تجسَّد أمامهم الخطر الحقيقي العظيم الذي أخذ يُهَدِّد كيانهم الوثني والاقتصادي.

ومِن ثَم لم يجد المشركون في مكة بُدًّا من أن يستأصلوا الإسلام بأنجح الوسائل في نظرهم، وذلك بالقضاء على رسول الله r نفسه!!

الاجتماع في دار الندوة

في دار الندوة، المقرِّ الرئيس لاجتماعات قريش، وفي صباح يوم الخميس 26 صفر من السنة الرابعة عشرة للبعثة، تمَّ عقد أخطر اجتماع لكبار الزعماء في مكة، حضره ممثِّلون عن كل القبائل القرشيَّة عدا بني هاشم، وقد بدأت الأفكار الإجراميَّة تُطْرَحُ للمداولة، حتى أشار أحدهم -وهو أبو جهل- بقتل محمد r، والوسيلة في ذلك أن يختاروا من كلِّ قبيلة في مكة شابًّا قويًّا جلدًا، فيحاصروا بيت الرسول r، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرَّق دمه بين القبائل، ولا تجد قبيلته -بنو هاشم- أمامها إلا قَبول الدِيَةِ؛ إذ لا طاقة لهم بحرب كل القبائل.

وعلى هذا خرج زعماء قريش يدبِّرون لأمر المهمَّة التي اتَّفقوا عليها، وكان الله محيطًا بهم وهو خير الماكرين، فنزل جبريل u إلى رسول الله r يخبره بالمؤامرة، ويأمره ألا يبيت في فراشه الليلة، وأن يُزْمِعَ الهجرة بصحبة أبي بكر الصديق t [54].

الهجرة

على الفور توجَّه رسول الله r إلى أبي بكر t ليخبره بأمر الهجرة في تكتُّم شديد، وكانت سعادة الصِّدِّيق t غامرة بأن اختاره رسول الله r رفيقًا له في الهجرة، بل كان على أتمِّ الاستعداد لهذه الخطوة، حتى إنه أعدَّ راحلتين للهجرة، وهيَّأ أهل بيته لهذا الأمر، وادَّخَرَ لذلك من أمواله [55].

وبعد أن عاد الرسول r إلى بيته وجهز نفسه، استقدم عَلِيًّا t لينام مكانه، وأعطاه برده الأخضر ليتغطَّى به، وعرَّفه بالأمانات وأصحابها، ولما جاء وقت الرحيل والذهاب إلى بيت الصِّدِّيق t اكتشف رسول الله r المفاجأة، فقد أحاط المشركون ببيته r إحاطة كاملة، وجاءوا قبل الموعد الذي توقَّعه رسول الله r، وهنا نزل الوحي إلى رسول الله r يطمئنه، ويأمره بالخروج وَسْطَ المشركين دون خوف أو وَجَلٍ، فسوف يأخذ الله U بأبصارهم، وخرج الرسول r في هذه الليلة المباركة، ليلة السابع والعشرين من صفر سنة أربع عشرة من النبوَّة، وهو يقرأ صدر سورة يس، من أوَّلها إلى قوله U: { وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} [يس: 9].

وإظهارًا لقدرة الله U في إنجاء الرسول r من أعدائه بعدما حاصروه، وضيَّقوا عليه الخناق كما يظنون، أخذ رسول الله r حفنة من التراب، ونثرها على رءوس المشركين -الذين حاصروا بيته- وهم لا يشعرون [56]، ثم انطلق إلى بيت الصِّدِّيق t لاستكمال تنفيذ الخُطَّة.

وبينما المشركون يحاصرون بيت رسول الله r إذ مرَّ عليهم رجل فأخبرهم أنه r قد خرج، فلم يُصَدِّقوه، ونظروا من ثقب الباب فوجدوا عليًّا نائمًا، فحسبوه رسول الله r فاطمأنُّوا قليلاً، ولمَّا جاء الصباح قام عليُّ بن أبي طالب t من فراشه فرآه القوم فأُسْقِط في أيديهم، فأمسكوا به يجرُّونه إلى البيت الحرام ويضربونه، وحبسوه ساعة، علَّهم يظفرون بخبرهما، ثم أطلقوه، ليمكث t في مكة ثلاثة أيام يَرُدُّ الأمانات إلى أهلها، ثم ينطلق مهاجرًا إلى المدينة المنورة [57].

وكانت خُطَّة رسول الله r في الخروج من مكة أن يبدأ في أوَّل الليل إلى بيت الصِّدِّيق t، ومنه بعد أن تهدأ الحركة في مكة ينتقلان بالراحلتين بالاستعانة بالدليل عبد الله بن أُرَيْقِط للخروج من طريق غير معهود إلى المدينة، ثم يمكثان في غار ثور حتى يفقد الكفار الأمل في العثور عليهما، ويُعيِّنُ عامر بن فُهَيْرَة ليقوم بتغطية آثار الأقدام بِرَعْيِ أغنامه حتى لا يتتبَّعهما أحد، وكذا يقوم عبد الله بن أبي بكر بنقل أخبار قريش وإعداداتها لهم، وتقوم أسماء بنت أبي بكر بمهمَّة حمل الزاد و الطعام لهما، وهي الفترة التي كَمُنَ فيها رسول الله r وأبو بكر في الغار، وهي ثلاث ليالٍ [58].

إن الله معنا

أما قريش فقد جُنَّ جنونها، وأعلنت حالة الطوارئ القصوى في مكة، وذلك حين تأكَّد لديها إفلات رسول الله r ليلة تنفيذ المؤامرة، وعليه فقد قام كبراؤها ببعض المهمَّات العاجلة، فذهب أبو جهل ومعه بعض صناديد قريش إلى بيت أبي بكر وقرعوا بابه، فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر، ولما سألوها عن أبيها وأخبرتهم بأنها لا تدري، رفع أبو جهل يده فلطم خدها لطمة طرح منها قرطها [59]!!

وفي جلسة طارئة مستعجلة قرَّرت قريش استخدام جميع الوسائل التي يُمْكِنُ بها القبضُ على الرجلين، فوضعت المراقبة المسلحة على كل مداخل ومخارج مكة، كما أعلنت عن جائزة كبرى قدرها مائة ناقة، لمن يأتي برسول الله r أو بصاحبه الصِّدِّيق t، حيَّين أو ميِّتين [60].

وعلى هذا فقد جدَّ الفُرسان والمشاة وقصَّاص الأثر في الطلب، وانتشروا في كلِّ الطرق الخارجة من مكة، ولكن من دون جدوى وبغير عائدة.

ورغم الخُطَّة البارعة والمحكمة التي اتبعها رسول الله r والصِّدِّيق t، إلا أن المطارِدون وصلوا إلى باب الغار الذي هما فيه، ولكنَّ الله غالب على أمره، فرجعوا خائبِينَ؛ وفي ذلك يقول أبو بكر t: كنتُ مع النبي r في الغار فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت: يا نبي اللَّه، لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا. قال: " اسْكُتْ يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا" [61].

وهكذا لم يرَ المشركون رسول الله r ولا صاحبه، ولما انقضت الأيَّام الثلاثة خرج الرسول r وأبو بكر من الغار، ويشاء الله U أن يلحق بهما أحدُ المشركين وهو سراقة بن مالك، الذي ما إن يصل إليهما حتى تسيخ قدما فرسه في التراب، ولا يستطيع أن يتحرَّك إلا بعد أن يأذن له رسول الله r، بل ويبشِّره رسول الله بسوارَيْ كسرى، ويطلب منه أن يُخَذِّل المشركين عنهم، كما فوجئ r برجل اسمه بُرَيْدَة بن الحُصَيْبِ زعيم قبيلة أسلم، وقد خرج له في سبعين من قومه يريد الإمساك به وبصاحبه ليحصل على المكافأة الكبيرة، ولكن الرسول r وقف يعرض عليه الإسلام في هدوء وسكينة، فوقعت كلمات الرحمن في قلب بريدة وأصحابه فآمنوا جميعًا في لحظة واحدة [62]!!

وبعد هذه المحنة الكبرى وصل الرسول الله r وصاحبه أبو بكر t إلى المدينة المنورة سالمَيْنِ، وذلك في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الرابعة عشرة من النبوة، لتبدأ مرحلة جديدة ومهمَّة في بناء أُمَّة ودولة الإسلام، ولتطوى أيضًا مرحلة العهد المكي بكل أحداثها وآلامها، والتي اهتمَّ فيها رسول الله r بتربية الجانب العقائدي للأُمَّة الإسلاميَّة، وكذا جانب الأخلاق.

وكان في استقبال رسول الله r في المدينة المنورة المهاجرون الذين سبقوه، والأنصار الذين أقاموا استقبالاً حافلاً، فرحين مهلِّلِينَ بوصول رسول الله r إليهم؛ مؤكَّدين بذلك حرصهم الشديد على العمل لدين الله، وأنهم سيفدونه بأنفسهم وأولادهم، وبكلِّ ما يملكون.

وما إن بلغ رسول الله r مشارف المدينة المنورة، واستقرَّت رحاله في قُباء، حتى وضع الأساس لمسجد قُباء، مؤكِّدًا بذلك على دور المسجد المهمِّ في تربية الأُمَّة وترسيخ الإيمان في قلوب المؤمنين، وتوطيد العَلاقات وتقوية الأواصر بين المسلمين [63].

وبعد ذلك بُني لرسول الله r حُجْرَة بسيطة تَفْتَح على المسجد، والتي توسَّعت بعد ذلك، فكان لكلِّ زوجة من زوجات النبي r حجرة، ولم يكن r في هذا الوقت متزوِّجًا إلا من السيدة سودة بنت زمعة رضي الله عنها، وكان عاقدًا على السيدة عائشة رضي الله عنها، ولم يكن قد بنى بها بعدُ.

[50] ابن كثير: السيرة النبوية 2/215، 216.

[51] الحاكم: المستدرك، كتاب معرفة الصحابة y، ذكر مناقب صهيب بن سنان مولى رسول الله r (5700).

[52] شمس الدين الصالحي: سبل الهدى والرشاد 3/225، والسيوطي: تاريخ الخلفاء ص105.

[53] ابن هشام: السيرة النبوية 1/468.

[54] ابن هشام: المصدر السابق 1/482، 483، وابن كثير: البداية والنهاية 3/176.

[55] ابن هشام: المصدر السابق 1/485.

[56] المصدر السابق 1/483.

[57] ابن كثير: البداية والنهاية 7/250.

[58] ابن كثير: السيرة النبوية 2/232وما بعدها.

[59] ابن هشام: السيرة النبوية 1/487.

[60] الطبري: تاريخ الرسل والملوك 2/104، وابن كثير: البداية والنهاية 3/231.

[61] البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب المهاجرين وفضلهم (3453).

[62] الصالحي الشامي: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد 3/351، 252.

[63] الطبري: تاريخ الرسل والملوك 2/116، 117، وابن كثير: البداية والنهاية 3/240


بناء الدولة الإسلامية

يبدأ الرسول r في بناء الدولة، تلك التي لن تحكم المدينة فقط، بل ستكون مؤهَّلة لقيادة الأرض بكاملها، ومن شأنها أن تهزَّ عروشًا ضخمة وممالك عظمى، وما من شكٍّ في أنه مجهود هائل سيبذل، وما من شكٍّ أنَّ ذلك في ظنِّ كثير من النَّاس حلم بعيد المدى، بل مستحيل, لكنه تَحَقَّقَ وبخطواتٍ معروفةٍ وثابتة.

ولأن بناء الدولة الإسلاميَّة الأولى سيظلُّ درسًا تتعلَّم منه الأجيال، فقد شاءت إرادة الله U ألاَّ يكون مجتمع المدينة الذي يدخل إليه رسول الله r مجتمعًا بسيطًا يتكوَّن من الأنصار فقط، ولكنه اشتمل على عناصر عديدة، وبدأ رسول الله r في التعامل معهم كلٍّ حسبما تقتضي ظروف المرحلة والدعوة.

فالمسلمون: يتألَّفون من مهاجرين لا مال لهم ولا زاد، وأنصار هم أهل البلد الأصليون، وهم بِدَوْرِهم ينقسمون إلى قبيلتين هما: الأوس والخزرج، وكان هناك أيضًا المسلمون في الحبشة، والمسلمون المستضعفون في مكة الذين لم يستطيعوا الخروج؛ فكان على رسول الله r أن يتعامل مع هذه الطوائف جميعًا بحكمة ورويَّة، ويضع لكل منها ما يناسبها؛ حتى يقيم دولة متجانسة متآلفة فيما بينها.

والمشركون: طائفة فُرض على رسول الله أن يتعامل معها، وهم مشركو المدينة من قبائل الأوس والخزرج الذين لم يؤمنوا برسول الله r، ومشركو الأعراب من القبائل المحيطة بالمدينة والذين يعيشون على السلب والنهب، ومشركو قريش الذين لم ينسَوْا حرب رسول الله؛ فكان على رسول الله r أيضًا أن يتعامل مع كل طائفة منهم بما يناسبها.

واليهود: أخطر الطوائف التي حرص رسول الله على أن يتعامل معهم بكل حذر؛ إذ هم أهل كتاب ويملكون نفوذًا كبيرًا في المدينة، وكانوا ثلاث قبائل قويَّة: بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير، وبعد أقلِّ من سنتين ستظهر فئة رابعة، أشدُّ خطرًا من المشركين واليهود ألا وهُمُ المنافقون، فكيف سيتعامل رسول الله r مع هذه الفئات جميعها؟

فأمَّا الأنصار؛ فقد حرص الرسول r على أن يوحِّد بين القبيلتين المتناحرتين، الأوس والخزرج، وكانت قد دارت بينهما حروب عديدة آخرها حرب بُعاث، وكانت قبل الهجرة بعامين فقط، واستطاع r أن يجمعهما على رابطة العقيدة والأخوَّة في الله، معتمدًا في ذلك على صدق إيمانهم، حتى نَسِيَ الأوس والخزرج كلَّ ما كان بينهما من عداوات وحروب، وتوحَّدوا مع رسول الله r لنصرة دين الله، وأصبحوا على قلب رجل واحد، وكانت هذه الخطوة قبل أن يؤاخي رسول الله r بين المهاجرين والأنصار.

وأمَّا المهاجرون، وهم الذين نَجَوْا بأنفسهم إلى المدينة، وتركوا أموالهم ومتاعهم في مكة، وانتقلوا إلى أرض لم يألفوها، وقومٍ لم يعرفوهم، فقد حرص رسول الله r منذ اللحظة الأولى على اتخاذ بعض الإجراءات التي تُقَرِّب بينهم وبين الأنصار وتجمعهم في بوتقة واحدة، كان من أهمها المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وهي عمل من أروع ما يأثره التاريخ، حيث آخى r بينهم على الاقتسام في كل شيء، في المال والزاد وحتى في الميراث، وقد سجَّل التاريخ قِصَصًا خالدة من قصص هذه المؤاخاة، منها ما ورد أن سعد بن الربيع الأنصاري عرض على أخيه المهاجري عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما أن يقتسم معه أملاكه وأمواله، بل وأن يُطَلِّقَ له إحدى زوجتيه حتى يتزوَّجها، غير أن عبد الرحمن t لم يرضَ بذلك، وطلب منه أن يدلَّه على السوق حتى يتاجر [64]!

وهذا المثال يُوَضِّح درجة التضحية والإيثار التي بلغها الأنصار، وحالة الأخوَّة الحقيقيَّة، تلك التي بُنِيَتْ عليها الأمة الإسلاميَّة فقادت العالم كله، كما يبيِّن أن المهاجرين لم يركنوا إلى المؤاخاة وترك العمل، بل أخذوا مواقعهم بسرعة في العمل والتجارة، وبذلك تمَّ تفعيل دورهم في المجتمع ولم يبقوا مجرَّد لاجئِينَ وإنما عناصر فعالة.

وفضلاً عن المؤاخاة، فما أن استقرَّ رسول الله r في المدينة حتى وضع الدستور الإسلامي الذي ينظِّم العَلاقات بين المهاجرين والأنصار، ويوضِّح عَلاقات المسلمين بغيرهم، والتي جعلت المهاجرين يذوبون تمامًا في المجتمع المدني، والتحموا بالأنصار في غضون شهور قليلة، وأصبحوا عنصرًا رئيسًا من البلد، وغَدَوْا يدافعون عن المدينة المنوَّرة وكأنها موطنهم الأصلي، وبهذا استطاع r أن يبني في المدينة مجتمعًا جديدًا، يُعَدُّ أروع وأشرف مجتمع عرفه التاريخ.

وبالنسبة للمشركين فكانوا صنفَيْنِ: مشركو المدينة (مشركو الداخل)، ومشركو قريش (مشركو الخارج). فأما مشركو المدينة فكان أغلبهم على الحياد، ولم تمضِ عليهم مدَّة طويلة حتى أسلموا وحَسُن إسلامهم، وكان فيهم مَن يُبطن العداوة ضدَّ رسول اللَّه r والمسلمين، وكان مضطرًا إلى إظهار الودِّ والصفاء، وعلى رأس هؤلاء عبدُ اللَّه بنُ أُبيِّ بنُ سلولَ، فقد كانت الأوس والخزرج اجتمعوا على سيادته وتتويجه الملك عليهم بعد حرب بُعاث، ولم يكونوا اجتمعوا على سيادة أحد قبله، وقد صادف ذلك مجيء رسول اللَّه r، فانصرف قومُه عنه إلى رسول الله r، فرأى أنه استلبه مُلكه، ومن ثم كان يُبطن شديد العداوة ضدَّه r، ولما رأى الظروف لا تساعده على شركه أظهر الإسلام بعد بدر، ولكن بقي مستبطنًا الكفر، وكان لا يجد مجالاً للمكيدة برسول اللَّه r وبالمسلمين إلا ويأتي بها، وكان أصحابه من الرؤساء الذين حُرِمُوا المناصب المرجوَّة في مُلكه يساهمونه ويدعمونه في تنفيذ خططه، وربما كانوا يتَّخذون بعض الأحداث وضعاف العقول من المسلمين عملاء لهم، لتنفيذ خططهم.

[64] البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب إخاء النبي r بين المهاجرين والأنصار (3569)، عن عبد الرحمن بن عوف

عقبات في طريق الدعوة

أمَّا مشركو قريش، فكانوا ألدَّ قوَّة ضدَّ الإسلام، وكانوا قد أذاقوا المسلمين في مكة كلَّ أساليب الإرهاب والتنكيل والتهديد وسياسة التجويع والمقاطعة، ثم لمَّا هاجر المسلمون إلى المدينة صادروا أرضهم وديارهم وأموالهم، وحالوا بينهم وبين أزواجهم وذرِّيَّاتهم، بل حَبَسوا وعَذَّبوا مَن قدروا عليه، ثم لم تقتصر على هذا بل تآمروا على الفتك بصاحب الدعوة r والقضاء عليه وعلى دعوته، ولما نجا المسلمون إلى المدينة استغلَّت قريش صدارتها الدنيويَّة وزعامتها الدينيَّة بين أوساط العرب بصفتها ساكنة الحرم ومجاورة بيت اللَّه وسدنته، وقامت بخطوات سريعة لمحاولة هدم الدولة الإسلاميَّة، كان منها:

أوَّلاً: محاولة إثارة الفتنة الطائفيَّة داخل المدينة: حيث سارعت قريش بمراسلة زعيم المشركين في المدينة عبد الله بن أبيِّ بنِ سلولَ، ودعته إلى حرب المسلمين، ولكن الرسول r تعامل مع الموقف بحكمة ورويَّة، فَوَأَدَ الفتنة في مهدها.

ثانيًا: الحرب النفسيَّة ضدَّ المسلمين، وذلك بأن أخذت تُهَدِّد وتُوعد وتقول للمسلمين: "لا يغرَّنَّكم أنكم أفلتمونا إلى يثرب، سنأتيكم فنستأصلكم ونبيد خضراءكم في عقر داركم". وقد أخذ المسلمون هذا التهديد على محمل الجدِّ، فخافوا على رسول الله r أن يأتيه مَن يقتله غدرًا من قريش، فباتوا يسهرون على حراسته r، ولم تتوقَّف تلك الحراسة إلا حينما نزل قوله تعالى: { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]، فقال لهم رسول الله r: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ" [65].

ثالثًا: قطع العَلاقات الدبلوماسية مع المدينة: حيث قرَّرت مكة -وهي التي تمتلك الصدارة الدنيويَّة والزعامة الدينيَّة- أن تمنع أهل المدينة من البيت الحرام، وأن تُعَرْبِدَ في الأرض كما يحلو لها، ويبدو ذلك من الموقف الذي منع فيه أبو جهل سعد بن معاذ t من الطواف بالبيت، وهدَّده بقتله لأنه آوى رسول الله r وأصحابه، وهو الأمر الذي واجهه سعد بأن هدَّد أبا جهل بقطع طريق قريش إلى الشام إذا منعه مما يريد [66].

رابعًا: الحصار الاقتصادي: وكان ذلك لمَّا لم تُفْلِح كل المحاولات السابقة في إضعاف الدولة الإسلاميَّة؛ إذ لجأت قريش إلى التضييق الاقتصادي على المسلمين في المدينة المنورة، وذلك بأن بدأت تؤثِّر على القبائل المجاورة والمحيطة بهم لمنعهم من التعامل مع المسلمين، كما اتَّصلت باليهود داخل المدينة وحرَّضتهم على تضييق الخناق على المسلمين اقتصاديًّا، إلا أن ذلك كله -بفضل الله- لم يؤثِّر على الدولة الإسلاميَّة؛ فقد حرص الرسول r أن تقوم الدولة بالمدينة على سواعد أبنائها، وأن يصبح لديها اكتفاء ذاتي يُمَكِّنُهَا من الاستغناء عن العَلاقات الخارجيَّة إذا دَعت الحاجة إلى ذلك، وفي ذلك فقد اهتمَّ r بإنشاء سوق إسلامي مستقلٍّ عن سوق بني قينقاع الرئيسي الذي كان لليهود في المدينة، كما حفَّز r على الزراعة والصناعة حتى ينمو الاقتصاد الإسلامي ويزدهر، وعلَّم r المسلمين أن الرشوة والسرقة والاختلاس والتهرُّب من الزكاة حرام كله، وبهذا حفظ للدولة مالها وحقوقها، وللشعب ماله وحقوقه، فتحسَّن الاقتصاد وخرج المسلمون من أزمتهم بنجاح.

كانت هذه محاولات قريش للصدِّ عن سبيل الله، ولاستئصال جذور الدولة الإسلاميَّة منذ نشأتها، فعلى الرغم من أن قريشًا كانت قبيلة كبرى ذات مكانة في الجزيرة العربيَّة إلا أن نشأة هذه الدولة الصغرى أَرَّقَهَا وَأَقَضَّ مضجعها، ذلك أنها كانت ترى في تلك الدولة مقوِّمات بناء دولة قويَّة مرهوبة الجانب.

يهود المدينة

يتبقَّى لنا طائفة خطيرة جدًّا لعلَّها أخطر من طائفة المشركين، وهي طائفة اليهود، وكانت في المدينة منهم ثلاث قبائل مشهورة: بنو قينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، وبنو النضير، وبنو قريظة، وهاتان القبيلتان كانتا حلفاء الأوس، وهذه القبائل هي التي كانت تُثير الحروب بين الأوس والخزرج منذ أمدٍ بعيد وقد ساهمت بأنفسها في حرب بُعاث، كل مع حلفائها.

وقد أقبل المسلمون عليهم بخلفيَّات مستوحاة من الإعداد النفسي الرباني الذي أعدَّه الله تعالى لهم طَوَال العهد المكي في الحديث عن بني إسرائيل وأهل الكتاب، الذين حرص القرآن الكريم على أن يُحِيط المسلمين ببعض أخبارهم، والتي جاءت إيجابيَّة إلى حدٍّ كبير، قبل أن يلقوهم في المدينة، وقد حرص رسول الله r على استمالة قلوب اليهود للإسلام، غير أنه لم يُسلم منهم إلا القليل جدًّا، وكان منهم حِبرهم عبد الله بن سلام t، الذي أسلم وخرج يدعو قومه من اليهود ويقول لهم: "يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، اتَّقُوا اللَّهَ! فَوَالَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَ بِحَقٍّ. قَالُوا: كَذَبْتَ".

واليهود وإن كانوا يُبطنون العداوة للمسلمين، لكن لم يكونوا قد أظهروا أيَّة مقاومة أو خصومة بعدُ، فعقد معهم رسول الله r معاهدةٍ تَرَكَ لهم فيها مطلق الحرِّيَّة في الدين والمال، ولم يتَّجه إلى سياسة العداوة أو الخصام، كما نصَّت المعاهدة على أن بينهم النصر على مَن حارب أهل هذه الصحيفة، وأن ما يجمع بينهم هو البرُّ والنصيحة ونُصرة المظلوم، ونصَّت كذلك على ألا ينصر اليهود قريشًا دون المسلمين، وألاَّ يخرج أحد من اليهود من المدينة إلا بإذن رسول الله r، كما كان من أهمِّ بنودها أنه لو حدث خلاف بين المسلمين واليهود أو شجار, فإن الحكم لله U ولرسوله الكريم r [67].

وبإبرام هذه المعاهدة مع اليهود صارت المدينة وضواحيها وكأنها دولة وفاقية، عاصمتها المدينة ورئيسها -إن جاز هذا التعبير- رسول الله r، وبذلك أصبحت المدينة عاصمة حقيقيَّة للإسلام.

لكن اليهود لم يتوانَوْا في محاربة الإسلام بعد هذه المعاهدة، وذلك بوسائل شتَّى، كان منها إثارة الشبهات حول تعاليم الإسلام، وذلك لزعزعة إيمان المؤمنين، وصرف مَن يفكر في الدخول في الإسلام عنه؛ فتارة يقولون بأن محمدًا ليس هو رسول الله r، وتارة يتواصَوْن على الدخول في الإسلام بعض اليوم وتركه بعد ذلك بزعم أنهم رأوه دينًا باطلاً! وتارة أخرى يزعمون أنهم لن يدخلوا النار إلا أيَّامًا معدودات, وغيرها من الأفكار الخبيثة التي حاولوا أن يُشَكِّكوا بها المسلمين في دينهم، كما كان من وسائلهم في محاربة الإسلام أيضًا: التأثير الاقتصادي؛ فقد ذهبوا إلى الأنصار وأمروهم بعدم الإنفاق على مَنْ عِنْدَ رسولِ الله r كما حكى القرآن عنهم ذلك. ثم كانت محاولتهم أيضًا تفريق الصفِّ المسلم، وقد قام بهذه المحاولة يهودي كبير يُدْعَى شاس بن قيس، حاول أن يُؤَلِّبَ صفوف المسلمين من جديد، ودعا اليهود إلى أن يعملوا على استثارة ما بين الأوس والخزرج من ضغائن وعداوات قديمة، فأرسل أحد غلمان اليهود فجلس مع الأنصار (الأوس والخزرج)، فذكَّرَهم بيوم بُعاث والحروب التي كانت بينهم، فتحرَّكت العصبيَّة القبليَّة عند بعضهم، وتواعدوا على الحرب، ولمَّا سمع رسول الله r بذلك جاء إليهم مسرعًا وقال لهم: " يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهَ اللَّهَ، أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟!" [68] فسارع المسلمون من الأوس والخزرج إلى العودة إلى الله، وعرفوا أنها نزغة من الشيطان، وخمدت الفتنة في مهدها


فيتَّضح هنا مخالفة واضحة من اليهود, وإن كانت لم تصل إلى درجة القتال ومظاهرة الكُفَّار على إخراج المسلمين من ديارهم, وقابله من المسلمين الإعراض والصفح, وكان الرسول r في ذات الوقت يعلم أنَّ قوَّة المسلمين ما زالت في طور الإنشاء مقارنة بقوَّة اليهود، وأنَّ الدخول في معركة مع اليهود في كلِّ صغيرة وكبيرة ليس من مصلحة الأُمَّة الإسلاميَّة في ذلك الوقت, فكان الصبر هو الحلُّ, حتى ولو شَجَّعَ ذلك الصبر اليهود -لحمقهم- على تجاوزات أكبر.

وبعد هذه الأصناف والأحداث التي ذكرناها أصبحت المدينة تتوقَّع هجومًا من قريش, وتعاملاً منهم مع مشركي المدينة, كما تتوقَّع تعاملاً من قريش مع اليهود الذين كذَّبوا ورفضوا الدخول في الإيمان, رغم أنَّ القاعدة التي تحكم حياة المسلمين إلى هذه اللحظة هي: { وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ} [الحجر: 94].

[65] الترمذي (3046)، والحاكم (3221) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وابن سعد: الطبقات الكبرى 1/171، وحسنه الألباني، انظر: السلسلة الصحيحة (2489).

[66] البخاري: كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (3433).

[67] ابن هشام: السيرة النبوية 1/504، ومحمد حميد الله: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة ص39، 40.

[68] ابن هشام: المصدر السابق 1/555-557، والسهيلي: الروض الأنف 2/415









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
samira
مراقبة عامة لمنتديات الصحة و شؤون آدم و حواء
مراقبة عامة لمنتديات الصحة و شؤون آدم و حواء
avatar

عدد الرسائل : 564
نقاط التميز : 950
انثى

مُساهمةموضوع: رد: هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم   الأربعاء 17 فبراير - 16:18:31

السلام عليكم
ماشاء الله ..
شرح كافي ووافي
جزاك الله خير واصل علي هذا المنوال
وربي يوفقك .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حارس الحدود
مراقب عام للمنتديات الإسلامية
مراقب عام للمنتديات الإسلامية
avatar

عدد الرسائل : 186
نقاط التميز : 428
ذكر
البلد : فلسطيني

مُساهمةموضوع: رد: هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم   الإثنين 22 فبراير - 10:10:57

بوركت يداك ياغالي
على الشرح الرائع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المدير
الادارة
الادارة
avatar

عدد الرسائل : 1273
نقاط التميز : 2147483647
ذكر
البلد : مغربي

مُساهمةموضوع: رد: هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم   الإثنين 22 فبراير - 12:24:51

شكرا على العرض القيم
واصلي تميزك ولا تحرمنا من جديدك
تحياتي


قرار اداري] جميع الروبط خفية تقريب الى بعد وضع الرد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
тστα
نائبة المدير
نائبة المدير
avatar

عدد الرسائل : 492
نقاط التميز : 1281
انثى
البلد : سعودي

مُساهمةموضوع: رد: هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم   الأربعاء 1 ديسمبر - 17:57:53

بوركت ايديكم على توآإجدكم وردودكم..


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
yassin
المدير
المدير
avatar

عدد الرسائل : 557
نقاط التميز : 1207
ذكر
البلد : مغربي

مُساهمةموضوع: رد: هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم   الأحد 12 ديسمبر - 0:25:15

يتجلى شغفوكي وغيرتكي على هدا ادين الحبيب مشكورة ياغالية اعدرين الم ارد على هدا الموضوع مسبقا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابن الهيلا
عضو جديد
عضو جديد


عدد الرسائل : 10
نقاط التميز : 10
ذكر

مُساهمةموضوع: رد: هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم   الإثنين 4 أبريل - 18:58:06

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى شباب العرب  :: المنتديات الإسلامية :: ركن الحديث الشريف و السيرة النبوية-
انتقل الى: